أبرز التحديات التي يواجهها الاقتصاد السوري.. ترجمة الانفتاح السياسي إلى انفراج اقتصادي ملموس يحفز الاستثمار

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- رفاه نيوف :

تمر سوريا اليوم بمخاض عسير في المسار المعيشي نتيجة ارتفاع الأسعار وانعكاسها على حياة المواطنين، يتجاوز كونه مجرد أزمة عابرة، فهو استعصاء بنيوي يضع الدولة والمجتمع أمام خيارين: إما الاستمرار في «إدارة الأزمة» بأدوات قديمة أثبتت فشلها، أو الشروع في تغيير فكري وهيكلي شامل يلامس جذور المشكلة .

فجوة الأداء

اللافت للنظر وفق ما أشار إليه الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي لـ«الحرية» هو مفارقة النجاح الخارجي في السياسات مع الداخلي، حيث حققت السياسة الخارجية السورية مؤخراً نجاحات ملحوظة في العودة إلى المحيط العربي، وكسر العزلة الدولية تدريجياً، وهو ما يُعد إنجازاً استراتيجياً للدولة، ومع ذلك تبرز فجوة بين هذا الأداء الخارجي المتوازن وبين التعافي والنهوض المحلي، ويتضح العجز عن ترجمة الانفتاح السياسي إلى انفراج اقتصادي ملموس يحفز الاستثمار ويعزز سُبل العيش الكريم .

فقدان السلعة السورية للتنافسية

كما يرى كويفي أن التصحر السياسي خلال فترة حكم النظام البائد ألقت بظلالها على غياب القدرات والكفاءات و«رجال الدولة» القادرين على ابتكار حلول خارج الصندوق، والاعتماد بدلاً من ذلك على سياسات «الجباية» لسد العجز، ما حوّل مؤسسات الدولة إلى عبء على المواطن بدلاً من كونها راعية وخادمة له .
وولدت نتيجة ذلك أزمات متعددة منها أزمة الطاقة (أحد أسباب التضخم) تُعد أسعار المشتقات النفطية والكهرباء في سوريا «بيضة القبان» في الدورة الاقتصادية، وإن الرفع المتكرر لأسعار الطاقة لم يعد إجراءً تقنياً، بل أصبح المحرك الأول لرفع تكاليف الإنتاج، في مختلف القطاعات التنموية ومنها الزراعة والصناعة اللتان تعتمدان كلياً على الطاقة، ورفع تكلفتها (بشكل كبير) يعني فقدان السلعة السورية لقدرتها التنافسية وغلائها الفاحش على المواطن .
إضافة الى التضخم المركب، من خلال ارتفاع تكاليف النقل واللوجستيات سواء للإنتاج المحلي أو المستوردات التي تُضاف إلى السعر النهائي لكل سلعة، ما يخلق تضخماً لا يمكن لجمه بقرارات إدارية .

الفجوة بين الدخل والإنفاق

وأضاف كويفي: من زاوية أخرى، فإن الفجوة العميقة بين الدخل والإنفاق، تُجبر المواطن السوري على العيش في ظروف صعبة، حيث يزداد التضخم وترتفع الأسعار بينما تعاني الأجور من جمود هيكلي، وعدم توازن بين مختلف شرائح الموظفين سواء في القطاع العام أو الخاص، وقد أدى هذا الواقع إلى تآكل الطبقة الوسطى وتحولها إلى طبقة تكافح للبقاء، ما أفقد المجتمع قوى تنموية أساسية .
والارتهان إلى اقتصاد الحوالات (مساعدات المغتربين) كشريان حياة أساسي لتأمين سبل العيش في ظل سياسات اقتصادية لم تراع الظروف الاستثنائية والقاهرة التي مرت على الشعب السوري من دمار ولجوء ونزوح وتحول معظم المواطنين فيها إلى حد الفقر (حسب إحصاءات المنظمات الدولية 70- 80 ‎%‎ تحت خط الفقر.

خطط لردم الهوة

ورغم كل ما ذُكر فإنه من الممكن وفق ما أورده كويفي وضع خطط لردم الفجوة وتحقيق التوازن المعيشي، عبر سياسات متوازنة وعادلة تتجاوز زيادة الرواتب «الورقية» من خلال عقلنة الدعم وربطه بالإنتاج، مع توجيهه لمدخلات الإنتاج (أسمدة، طاقة، مواد أولية) لخفض تكلفة المنتج النهائي، ما يؤدي لخفض الأسعار تلقائياً، مع لجم التضخم واستقرار النقد وحماية القيمة الشرائية للأجور عبر ضبط سعر الصرف، وربط الحد الأدنى للأجور بسلة استهلاك أساسية متغيرة .
وإعادة ترميم الخدمات الاجتماعية من خلال تخفيف العبء عن الأسرة عبر توفير تعليم وطبابة ونقل عام بجودة مقبولة، وبرامج حماية اجتماعية للطبقات الأكثر هشاشة، مع تحفيز الإنتاج للمشروعات الصغيرة، عبر تمكين الأسر من الحصول على قروض إنتاجية معفاة من الفوائد، لفتح مسارات دخل إضافية مستدامة.\

عودة الكفاءات من الشتات

وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن مسار عودة الكفاءات السورية من الشتات ضروري جداً مع أهمية القدرات والكفاءات التكنوقراط في الداخل والتي تتطلب “بنية تحتية مادية” تقوم على:
سيادة القانون واللامركزية الإدارية، وإنهاء البيروقراطية والفساد المؤسسي وضمان حماية الملكية العامة والخاصة، والتشاركية الوطنية التعددية التقنية، وإشراك الخبرات التكنوقراطية والمجتمع المدني والأحزاب السياسية في صنع القرار الاقتصادي- الاجتماعي، من خلال مجالس حوكمة تضم مختصين من مختلف القطاعات المجتمعية (مهندسين، أطباء، علم اجتماع، علم نفس..) والاقتصادية والقانونية .
كما يتوجب التنويه إلى التنمية المستدامة كحل رئيسي للأزمات، من خلال التحول الأخضر والتوجه نحو الطاقات المتجددة كبديل استراتيجي لكسر ارتهان الدولة والمواطن للطاقة التقليدية وتحفيز المجتمع للسير في هذا المسار التنموي البيئي .

 عقلنة السياسة والاقتصاد

وختم كويفي: إن بناء سوريا الجديدة اليوم بحاجة إلى تغيير فكري إداري واسع النطاق، للانتقال من “إدارة الأزمات” إلى عقلنة السياسة والاقتصاد، فالنجاح الخارجي يجب أن يكون جسراً لبناء الداخل بشكل قوي، أساسه الإنسان السوري وغايته كرامته، والبداية تبدأ من الاعتراف بأن “تكامل الحلول” بين ضغط الداخل وخبرات الخارج هو الممر الوحيد نحو التعافي والازدهار والتقدم والاستقرار المستدام .

 

Leave a Comment
آخر الأخبار