«أشجار» لينا شديد.. كنز من الانطباعية على مدى اللوحات

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – علي الراعي:

تكشف الفنانة التشكيلية لينا شديد في معظم تنويعات تجربتها الفنية عن منحى إبداعي واضح التلوين والتكوين، يقوم على الانطباعية التعبيرية، لكنها لا تستعير أدواتها من المدارس الغربية بقدر ما تعيد توظيفها لخدمة حساسية شرقية مشبعة بالحنين والتأمل.

الطبيعة كسيرة ذاتية

وشديد التي قلما اهتمت بالجسد الإنساني في أعمالها، غير أنها «أنسنت» ما يُشير إليه من الأشجار والزهور والبحيرات والسماء.. هذه الشواغل التي كانت أقرب إلى نفسها إذ تحتل المساحة الأكبر في نتاجها التشكيلي، لكنها ليست مناظر طبيعية بالمعنى التقليدي، وإنما تحضرها كرموز نفسية مُحمّلة إياها الكثير من القيم الجمالية.
فالشجرة الوحيدة الواقفة وسط الماء ليست مجرد عنصر جمالي، وإنما استعارة للإنسان السوري الذي بقي واقفاً رغم العواصف. فجذعها المنحني يحمل أثر الزمن، بينما تتوهج أغصانها بضوءٍ أخضر يكاد يلامس الأسطورة، ويتحول اللون إلى طاقة للحياة، ويصبح الضوء نفسه بطلاً للوحة. وفي أعمال أخرى، تفيض الحقول بالأزهار البرية تحت سماوات بنفسجية وزرقاء، وكأن الفنانة لا ترسم المكان كما تراه العين، بل كما تتذكره الروح.

عن بطل اللوحة الحقيقي

أول ما يلفت المتلقي في أعمال لينا شديد هو الجرأة اللونية. فالبنفسجي يجاور الأصفر الذهبي، والأزرق يحتضن الأحمر القرمزي دون خوف من التضاد. هذا الاستخدام لا يخضع لقوانين الواقعية، بل لقوانين الإحساس، فالسماء هنا لا تبدو زرقاء لأنها كذلك في الطبيعة، وإنما لأنها تمثل فضاءً نفسياً واسعاً، فيما تتحول المياه إلى مرايا للألوان الداخلية أكثر من كونها انعكاساً بصرياً. ويكشف هذا الاختيار عن نزعة انطباعية واضحة، لكنها تتجاوز الانطباعية الكلاسيكية نحو تعبيرية وجدانية تجعل اللون لغة مستقلة بذاتها.

عن الفكرة الفلسفية

وأما لجهة ضوء اللوحة، فيكاد الضوء يكون العنصر الأكثر حضوراً في هذه التجربة. فهو هنا لا يأتي من مصدر محدد، بل يخرج من داخل الأشياء نفسها. هنا حيث الأشجار تشع، والزهور تتوهج، والغيوم تفيض بالنور. وهذه التقنية تمنح اللوحات بعداً روحياً قريباً من التصوف البصري، إذ لا يبدو الضوء مجرد معالجة تقنية، وإنما رمز للخلاص والأمل والانبعاث. إنه الضوء الذي يواجه عتمة المنفى.

مثال على التجربة

وإذا ما تناولنا إحدى اللوحات كمثال عن التجربة، وهي لشجرة لها انعكاسها في الماء، فأول ما يخطر بذهن المتلقي أن المشهد هنا ليس مجرد منظر طبيعي، بل حالة وجدانية تُترجم علاقة الضوء بالطبيعة والذاكرة. إذ يتأسس التكوين على ثلاثة عناصر رئيسة: الشجرة تحتل مركز اللوحة، لكنها ليست جامدة، إذ تميل قليلاً نحو اليمين، مما يكسر التناظر التقليدي ويمنح المشهد حيوية. فيما الماء في أسفل اللوحة يُشكّل مرآةً بصرية تعكس الضوء والألوان، فيخلق امتداداً بصرياً يضاعف حضور الشجرة. وتعمل التلال الداكنة في الخلفية ككتلة صامتة تؤطر العنصر الرئيس وتمنحه السيادة. ومن الناحية البنائية، اعتمدت الفنانة على: خطوط أفقية في السماء، وخطوط مائلة في الأرض، وكتلة عضوية للشجرة. وهذا التنوع يمنع الرتابة ويخلق توازناً بين السكون والحركة.

أزرق وأخضر وأسود

يحضر الأزرق في هذه اللوحة ليسيطر بدرجاته المختلفة: الداكن في الأعلى يمنح السماء عمقاً وغموضاً، والفيروزي في الماء يشيع إحساساً بالنقاء والصفاء. وهو بكل هذه الدرجات يأتي كفضاء نفسي يوحي بالتأمل والهدوء. فيما الأخضر المضيء للشجرة يوحي بالحياة والنمو. ولم تستخدم الفنانة أخضر واحداً، بل مزجت: الزمردي، والزيتوني، والأصفر المخضر، مما أكسب الشجرة نبضاً داخلياً وحيوية. وأكثر ما يلفت النظر هو اللمسات الذهبية المتناثرة داخل الأغصان. وهي جميعها تعمل كنبضات ضوء تجعل الشجرة تبدو وكأنها تشع من الداخل، وهو ما يضفي على العمل مسحة شاعرية ورمزية.
فيما اللون الأسود الذي يأتي بكثافة في التلال والأرض وفي مقدمة اللوحة، ليس سواداً خانقاً، بل يُشكّل خلفية ضرورية تُبرز إشراق الأخضر والأزرق، وهذه إحدى نقاط القوة اللونية في العمل، إذ إن الضوء لا يظهر إلا بوجود الظل. والفنانة في كل ما تقدم لا تقدم على تعقيد الموضوع، بل على اقتصاد العناصر وثراء المعالجة اللونية. فالشجرة ليست موضوعاً بقدر ما هي محور بصري وروحي تتجمع حوله حركة الضوء وانعكاساته، مما يجعل العمل أقرب إلى قصيدة بصرية عن الضوء والحياة منه إلى مجرد منظر طبيعي.

حضور هادئ لا استعراضي

في إحدى اللوحات تظهر امرأة بعينين مغمضتين، محاطة بالأزهار والهالات الضوئية، تأتي ككائن حلمي، فالوجه يخلو من الدراما المباشرة، لكنه يمتلئ بالسكينة. إغماض العينين يوحي بالتأمل الداخلي، بينما تتداخل خصلات الشعر مع النباتات، فتبدو المرأة امتداداً للطبيعة نفسها. هنا تأتي صورة للروح الأنثوية التي تحتفظ بقدرتها على إنتاج الجمال رغم الخسارات.

على تخوم التجريد

كما ذكرنا أعلاه، لا تنتمي أعمال لينا شديد إلى مدرسة واحدة، فهي تستعير من الانطباعية اهتمامها بالضوء، ومن التعبيرية انفعالها اللوني، ومن التجريد حريته في بناء الفضاء. ففي بعض اللوحات تكاد التفاصيل تختفي تماماً، لتحل محلها كتل لونية واسعة تضيف إحساساً بالحركة أكثر مما تقدم وصفاً للمشهد. هذه المساحات المفتوحة تمنح المشاهد حرية المشاركة في بناء المعنى، وهو ما يُفسر تعدد القراءات الممكنة لكل لوحة.

جماليات الأمل

في قراءة التجربة، يُمكن القول إن لينا شديد تُقدّم تجربة تشكيلية تنتمي إلى ما يمكن تسميته «جماليات الأمل»، حيث تتحول اللوحة إلى مساحة للمصالحة مع الذات والعالم. فهي لا تبحث عن الواقعية بقدر ما تبحث عن الحقيقة الشعورية، ولا تسجل المشهد كما هو، بل كما ينبغي أن يكون. ومن خلال هذه الرؤية استطاعت أن تجعل اللون لغة للحنين، والضوء استعارة للخلاص، والطبيعة وطناً مؤقتاً يحمل في أعماقه ذاكرة سوريا، ويمنح المتلقي لحظة نادرة من السكينة وسط عالمٍ يزداد اضطراباً.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار