إعادة تشكيل النظام الجمركي في سوريا وخفض كلف الاستيراد.. خبراء: المرسوم 109 يقلص التدخل البشري ويسرّع إنجاز المعاملات

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبوتك:

يشكل المرسوم 109 لعام 2026 الخاص بالقانون الجمركي الجديد في سوريا واحداً من أبرز التحولات التشريعية في قطاع التجارة الخارجية، في خطوة يُتوقع أن تنعكس مباشرة على زمن التخليص الجمركي وتكاليف الاستيراد وبيئة الاستثمار خلال المرحلة المقبلة، ويأتي هذا التحديث ضمن توجه حكومي لإعادة هيكلة المنظومة الجمركية، عبر الانتقال من الإجراءات التقليدية إلى نظام يعتمد على الرقمنة وإدارة المخاطر واعتماد الفاتورة الحقيقية كأساس للتقييم الجمركي، بما يحد من التشوهات السابقة في تقدير الرسوم ويعزز شفافية العمليات التجارية.

تحول جذري في فلسفة العمل الجمركي

وفي قراءة تفصيلية لأبعاد هذا التحول، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أن المرسوم 109 لا يمثل مجرد تعديل قانوني، بل انتقال كامل من منظومة جمركية امتدت لأكثر من 25 عاماً إلى فلسفة عمل جديدة  تقوم على السرعة والرقمنة وإدارة المخاطر.

ويشرح أن النظام السابق كان يعتمد على التدقيق المسبق لكل شحنة، مما كان يرفع زمن التخليص إلى نحو 12 يوماً، في حين تعتمد الأنظمة الحديثة على مبدأ الإفراج أولاً والتدقيق لاحقاً، وهو ما يسرّع حركة التجارة ويقلل التكاليف غير المباشرة مثل التخزين والتمويل وغرامات التأخير، ويقدّر أن هذا التحول قد يخفّض الكلفة غير المباشرة للتجارة بنسبة تصل إلى 9% من قيمة الشحنة في بعض الحالات، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع في السوق المحلية.

الفاتورة الحقيقية وضبط التقييم الجمرك

يُعد اعتماد الفاتورة الحقيقية كأساس للتقييم الجمركي أحد أهم التحولات في المرسوم 109، بعد سنوات من الجدل حول التقديرات غير الدقيقة لقيم السلع المستوردة.

ويؤكد عبد الكريم أن النظام السابق كان يؤدي أحياناً إلى رفع القيمة الجمركية بنسبة تتراوح بين 20% و40% فوق السعر الحقيقي، ما انعكس على أسعار المنتجات النهائية في السوق المحلية. ويُتوقع أن يحقق هذا التعديل خفضاً مباشراً في كلف الاستيراد، وتعزيزاً للمنافسة بين التجار، وتقليصاً لفرص التقدير غير المنضبط، ورفعاً لمستوى شفافية السوق.

التخليص الإلكتروني ركيزة الإصلاح الجمركي

يشكل التحول إلى التخليص الجمركي الإلكتروني أحد أبرز محاور المرسوم 109، بهدف تقليص التدخل البشري المباشر وتسريع إنجاز المعاملات. مشيراً إلى أن هذا النظام، في حال تطبيقه بشكل كامل، يمكن أن يرفع الإيرادات الجمركية بين 20% و30% عبر تقليل التهرب، ويحد من مستويات الفساد الناتجة عن التفاعل المباشر، ويحرر رأس المال التجاري المجمد ويعزز اندماج سوريا في سلاسل الإمداد الإقليمية، لكن ذلك يتطلب استثمارات تقنية وبشرية ممتدة على عدة سنوات لضمان تطبيق فعّال ومستقر.

انعكاسات على السوق والتجار

ويتوقع الخبير الاقتصادي أن تؤدي هذه التحولات إلى إعادة تشكيل بيئة السوق عبر انخفاض تكاليف الاستيراد وتراجع أسعار عدد من السلع، مع زيادة المنافسة بين التجار، وتقليص الحوافز الاقتصادية للتهريب، وهذه التغييرات، كما يوضح، تنقل مركز الثقل من التقدير البشري إلى قواعد السوق، مما يعزز الشفافية على المدى المتوسط والبعيد.

قطاع التجارة: ترحيب مشروط بالتنفيذ

من جانبه، يوضح عضو غرفة تجارة اللاذقية، شفيق دنورة، في حديث مماثل أن القطاع التجاري ينظر بإيجابية إلى المرسوم 109، خاصة فيما يتعلق بتقليص زمن التخليص واعتماد الفاتورة الحقيقية. ويضيف أن أي خطوة تقلل التعقيدات الجمركية وتحد من التدخل البشري تُعد تطوراً مهماً، إلا أن التحدي الأساسي يبقى في ضمان تطبيق موحد على جميع المنافذ دون استثناءات أو تفاوت في الإجراءات. مؤكداً أن التاجر السوري يحتاج اليوم إلى استقرار إجرائي أكثر من حاجته إلى تغييرات تشريعية إضافية.

الفساد والبيروقراطية: تراجع تدريجي لا اختفاء كامل

يتوقع دنورة أن يؤدي المرسوم 109 إلى تراجع مستويات الفساد والبيروقراطية الجمركية بنسبة تتراوح بين 25% و40% خلال السنوات الثلاث الأولى من التطبيق، لكنه يستبعد القضاء الكامل عليها، مرجعاً ذلك إلى عوامل بنيوية تتعلق بالبنية التقنية وآليات الرقابة ومستوى المساءلة المؤسسية.

إذاً يمثل المرسوم 109 خطوة إصلاحية مهمة في مسار تحديث النظام الجمركي في سوريا، عبر تقليل زمن الإجراءات وضبط التكاليف وتعزيز الشفافية في التجارة الخارجية. لكن الأثر الاقتصادي الفعلي يبقى مرهوناً بثلاثة عوامل رئيسية: جودة التنفيذ، مستوى التحول الرقمي، واستقرار الإجراءات على أرض الواقع. وبين نص التشريع وميدان التطبيق، ستتحدد النتيجة النهائية لهذا التحول: هل سيكون إصلاحاً بنيوياً فعلياً في بيئة التجارة والاستثمار، أم مجرد تحديث قانوني محدود الأثر؟

 

Leave a Comment
آخر الأخبار