الحرية – مها يوسف:
يشهد الاقتصاد السوري مرحلة حساسة في ظل ضغوط نقدية ومعيشية وإنتاجية متراكمة، انعكست بشكل مباشر على سعر الصرف والقدرة الشرائية والاستقرار الاقتصادي، وفي هذا السياق، يوضح الدكتور زياد أيوب عربش، الأكاديمي والمستشار الاقتصادي، في حديثه لـ”لحرية” أن الأزمة الحالية ذات طابع بنيوي عميق، مما يتطلب حزمة إصلاحات متزامنة تبدأ من السياسة النقدية وتمتد إلى القطاعات الإنتاجية والاستثمارية.
التحديات النقدية وسعر الصرف
يؤكد الدكتور عربش أن الاقتصاد السوري يعاني اختلالات حادة في سوق القطع الأجنبي، حيث يواصل سعر صرف الليرة السورية تدهوره أمام الدولار والذهب نتيجة تراكم عوامل هيكلية وطارئة.
وتتلخص أبرز أسباب ارتفاع سعر الصرف في نقص المعروض من العملات الأجنبية بسبب تراجع تحويلات المغتربين، خصوصاً من أوروبا والخليج نتيجة الظروف الضاغطة بعد الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، إضافة إلى انخفاض الصادرات وضعف تدفق الاستثمارات، كما يبرز اختلال التوازن بين العرض والطلب على الدولار، إذ يتزايد الطلب لتمويل الاستيراد، سواء للمواد الأولية أو السلع الاستهلاكية والكمالية، بينما يبقى العرض محدوداً.
ويشير الدكتور عربش أيضاً إلى وجود سلوكيات احتكارية، حيث يقوم بعض الأفراد والجهات باحتكار الدولار للتحوط وتحقيق أرباح مستقبلية من فروقات الصرف، إلى جانب ضعف الثقة بالليرة المحلية نتيجة سياسات تقييد السيولة المتواصلة، وتوقف الإقراض، والتأخير في إجراءات دعم الثقة المرتبطة بعملية تبديل العملة.
ضغط المعيشة
ينعكس ارتفاع سعر صرف الدولار سلباً على مختلف المستويات الاقتصادية والمعيشية، إذ تصبح السلع المستوردة أكثر كلفة بشكل مباشر، مما يدفع التجار إلى تقليل الكميات المستوردة أو رفع الأسعار، كما ترتفع أسعار المنتجات المحلية مع زيادة تكاليف الإنتاج والنقل نتيجة الاعتماد على مكونات مستوردة تشمل المواد الأولية والطاقة والآلات، مما يؤدي إلى تضخم عام واختلال في سلة السلع الأساسية وتآكل القدرة الشرائية للمواطن، إضافة إلى اتساع الفجوة الاجتماعية بين الأجور الجامدة والأسعار المتصاعدة.
تحديات المركزي
يوضح عربش أن مصرف سورية المركزي يواجه حزمة متداخلة من الملفات النقدية الحرجة، أبرزها استمرار تبديل العملة وفك حبس السيولة، الأمر الذي يتطلب إصلاحاً نقدياً ومصرفياً شاملاً يشمل إدارة التدفقات والكتلة النقدية المتداولة، ومنع الارتباك، ومكافحة التضخم. ويؤكد أن فك حبس السيولة يحتاج إلى توسيع القنوات المصرفية وليس إلى إجراءات شكلية فقط، عبر تسهيل فتح الحسابات وتشجيع الإيداع وتفعيل أدوات الدفع الإلكتروني.
الاندماج المالي
كما يشير الخبير عربش إلى أن المصارف السورية لا تزال تعاني عزلة واسعة عن الشبكات المالية الدولية بسبب العقوبات وتراجع علاقات المراسلة المصرفية، إلا أن هناك مؤشرات أولية تتمثل في قرب اتفاقات حسابات مراسلة مع تركيا، وعودة تجريبية لبوابات الدفع الدولية مثل «Visa» و«Mastercard». ويشدد على أن هذا المسار يحتاج إلى مستويات عالية من الحوكمة والشفافية، إضافة إلى بناء شراكات مالية استراتيجية مع مصارف خليجية وأوروبية عبر المراسلين المصرفيين والمحافظ الاستثمارية المشتركة وصناديق التمويل. داعياً للاستفادة من السوريين في الخارج، وخاصة في ألمانيا، بوصفهم مصدراً للتحويلات والروابط الاستثمارية، بدلاً من النظر إليهم فقط كملف لجوء.
الرقمنة المصرفية
ويرى الدكتور عربش أن الموارد البشرية الحالية غير مهيأة بالكامل لأدوات العمل الحديثة، مما يجعل التأهيل والتجديد المؤسسي أولوية أساسية، مع العلم أن الرقمنة، وسلامة القطاع المالي، والبنية التحتية للدفع الإلكتروني، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، والتحليل الائتماني، والتدقيق الرقمي، لم تعد ترفاً تقنياً، بل شروط عملية لتجاوز حالة التخلف المؤسساتي.
أزمة الإنتاج المحلي
ويؤكد الدكتور عربش أن انهيار الإنتاج المحلي يمثل جوهر الأزمة الاقتصادية، حيث أدت الحرب والعقوبات وسوء الإدارة إلى تراجع المساحات المزروعة والإنتاج الزراعي، باستثناء محصول القمح الذي يبدأ استلامه قريباً بشرط الدفع بالليرة وليس بالدولار، كما توقفت معظم المصانع عن العمل أو باتت تعمل بطاقة إنتاجية محدودة بسبب نقص المواد الأولية والطاقة وتهالك الآلات، مما أدى إلى اعتماد مفرط على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق، وبالتالي زيادة الضغط على الطلب على الدولار.
الرسوم الجمركية
فيما يتعلق بقرار رفع الرسوم الجمركية على المستوردات البديلة عن المنتج الوطني والسلع الكمالية، مثل السيارات، يرى الخبير الاقتصادي أن القرار يهدف إلى حماية الصناعة المحلية وخفض الطلب على الدولار، لكنه يوضح أن زيادة الإنتاج البديل تحتاج إلى أشهر أو سنوات حتى تظهر آثارها الفعلية على تراجع الطلب على الدولار، خاصة أن تأسيس
مصانع جديدة يتطلب وقتاً طويلاً لاستكمال التراخيص والبناء والتشغيل، كما يشير إلى أن حجم الفاتورة الاستيرادية يفوق بكثير قيمة الحوالات والصادرات، مما يجعل تعويض هذا الخلل أمراً غير سريع.
وفي ما يتعلق بالكماليات، يلفت إلى أن رفع الرسوم على سلع مثل السيارات، التي تستورد بمليارات الدولارات، لن يؤدي إلى تراجع كبير في الطلب عليها، لأن المستهلكين القادرين على شرائها لا تتغير أنماطهم الاستهلاكية بسهولة، خاصة مع احتفاظهم بمدخراتهم بالدولار والذهب. ورغم ذلك، يؤكد الدكتور عربش أن لهذه الإجراءات إيجابيات مهمة على المدى المتوسط، حتى وإن لم تنعكس مباشرة بانخفاض سعر الصرف، فإنها قد تسهم في تثبيته أو إبطاء وتيرة ارتفاعه.
مسار التعافي
يشدد الدكتور عربش إلى ضرورة تحقيق تثبيت نقدي سريع عبر إدارة عملية تبديل العملة بحزم لمنع الارتباك والاكتناز وضبط الكتلة النقدية المتداولة، كما يدعو إلى فك حبس السيولة من خلال توسيع القنوات المصرفية، وتسهيل فتح الحسابات، وتشجيع الإيداع، وتفعيل الدفع الإلكتروني. ويؤكد أهمية متابعة إعادة الاندماج المالي الخارجي مع الالتزام بمعايير الامتثال والحوكمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والعمل على تفعيل اتفاقات المراسلة مع تركيا والمصارف الخليجية، إضافة إلى إعادة تفعيل بطاقات الدفع الدولية بشكل رسمي وآمن.
ويشدد على ضرورة تدخل مصرف سورية المركزي عند التقلبات الحادة في سعر الصرف لامتصاص الصدمات دون تبديد الاحتياطي بشكل عشوائي، إلى جانب توحيد سعر الصرف للصرافة المرخصة، وقمع الصرافة غير المرخصة والمضاربة عبر آليات رقابية فعالة.
دعم الإنتاج
يدعو الدكتور عربش إلى حماية الإنتاج الوطني عبر رسوم جمركية متمايزة، تكون منخفضة على المواد الأولية والآلات لتشجيع التصنيع، ومرتفعة على السلع الجاهزة التي تمتلك بديلاً محلياً. كما يؤكد أهمية تحديث الإجراءات الجمركية لتقليل زمن التخليص وكلفة الامتثال، مع تعزيز آليات التحقق من المنشأ لمنع التحايل. ويشدد على ضرورة دعم الصادرات غير النفطية، سواء الزراعية أو الصناعية الخفيفة، عبر حوافز ضريبية وتسهيلات إجرائية تسهم في زيادة تدفق العملات الأجنبية.
البعد الاجتماعي للإصلاح
يشدد الدكتور عربش على ضرورة حماية القدرة الشرائية للفئات الأكثر فقراً عبر تحويلات نقدية مشروطة أو دعم مباشر محدود الهدف، إضافة إلى ربط الأجور والرواتب بمؤشر التضخم بشكل تدريجي لتقليل الفجوة الاجتماعية. كما يؤكد أهمية تفعيل دور مجلس النقد والتسليف وتعزيز التنسيق بين السياسات النقدية والمالية والتجارية، باعتبار أن أي إصلاح اقتصادي لا يمكن أن ينجح بمعزل عن بقية السياسات.
الأولويات المقبلة
يخلص الدكتور عربش إلى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة مزدوجة تقوم على تثبيت نقدي سريع يمنع الفوضى، بالتوازي مع إصلاح مؤسسي عميق يعيد الثقة بالقطاع المصرفي، كما يؤكد أن تسريع الرقمنة والشفافية يشكل مدخلاً أساسياً لفتح آفاق الاندماج المالي الخارجي وجذب التحويلات والمدخرات، ويرى الدكتور عربش أن الاقتصاد السوري يعاني أمراضاً هيكلية متراكمة، لكنه لا يزال يمتلك فرصة للتعافي التدريجي إذا ما جرى تنفيذ حزمة إصلاحات متزامنة وحازمة تبدأ بضبط السياسة النقدية واستعادة الثقة، وتستمر بإعادة هيكلة الإنتاج والتجارة، وصولاً إلى تحقيق اندماج مالي خارجي آمن ومستقر.