الخطوات الصحيحة عبر التكامل لا التنافس.. حراك مكوكي لإعادة تشكيل فضاء الشرق الأوسط

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية ـ مها يوسف :
تشهد المنطقة الممتدة من الخليج العربي إلى شرق المتوسط لحظة تحوّل تاريخية تتكثف فيها التحركات السياسية والاقتصادية بوتيرة غير مسبوقة، في ظل إدراك متزايد بأن ملامح الإقليم يعاد رسمها على أسس جديدة تتجاوز الحدود التقليدية.
هذا الحراك المكوكي، الذي يجمع بين الدبلوماسية الرسمية ومبادرات القطاع الخاص، يعكس انتقال المنطقة من حالة الترقب إلى الفعل، ومن ردّ الفعل إلى محاولة صياغة موقعها في النظام العالمي المتغير، بما يحقق مصالح شعوبها ضمن معادلة متوازنة ومستدامة.
في هذا السياق، يبرز الأكاديمي والمستشار الاقتصادي الدكتور زياد أيوب عربش، كأحد الأصوات التحليلية التي تقارب هذه التحولات من منظور استراتيجي يجمع بين الاقتصاد السياسي والجغرافيا الاقتصادية، مسلطاً الضوء على الفرص الكامنة في إعادة تشكيل الفضاء الإقليمي وفق مقاربات تعاونية حديثة.

منطق رابح-رابح للجميع

يرى الدكتور عربش أن الحراك الإقليمي الجاري يعكس تحوّلاً نحو نماذج تعاونية مستندة إلى منطق “رابح-رابح”، بديلاً عن الصراعات الصفرية التي أنهكت المنطقة لعقود. فالتقارب بين دول مثل تركيا والأردن وسوريا لا يمكن قراءته بمعزل عن المصالح الاقتصادية المتبادلة، حيث تسعى كل دولة إلى تعظيم مكاسبها عبر التكامل لا التنافس. هذا التوجه يفتح المجال أمام إعادة تنشيط الممرات التجارية وسلاسل الإمداد، بما يحد من الخسائر الجماعية التي تنتج عن الانقسامات، ويعزز الاستقرار النسبي حتى في ظل بيئة إقليمية مضطربة.

تحول الفضاء الجغرافي

يؤكد الدكتور عربش أن مفهوم “الحيز الجيو- مكاني” بات أداة أساسية لفهم التحولات الجارية، حيث لم تعد الجغرافيا مجرد حدود ثابتة، بل شبكة ديناميكية من التدفقات الاقتصادية والبشرية والتكنولوجية.
وضمن هذا الإطار، تتقاطع قضايا النقل والطاقة والأمن الغذائي والهجرة المناخية لتشكل منظومة مترابطة لا يمكن التعامل مع عناصرها بشكل منفصل.
ويشير إلى أن نجاح أي استراتيجية إقليمية مرهون بقدرتها على إدارة هذه التشابكات بطريقة استباقية وشاملة.

مشروع الربط الحديدي

يتوقف الدكتور عربش عند المبادرة التركية لتمديد شبكة السكك الحديدية نحو حلب، بوصفها نموذجاً عملياً لإعادة ربط الإقليم عبر مشاريع بنى تحتية عابرة للحدود.
فالمشروع، رغم تحدياته السياسية والأمنية، يحمل دلالات تتجاوز الجانب اللوجستي، ليعكس توجهاً نحو إعادة إحياء طرق التجارة التاريخية بصيغة حديثة تخدم الاقتصاد الإقليمي.
كما أن امتداده المحتمل نحو دمشق يعزز فرص إعادة دمج سورية في شبكات النقل الإقليمية بعد سنوات من العزلة.

هندسة الإقليم الجديدة

يشير الدكتور عربش إلى أن دولاً محورية مثل مصر والأردن وسوريا والعراق وتركيا تشكل معاً العمود الفقري لما يمكن تسميته بالهيكل الإقليمي الجديد.
هذا التكتل، إذا ما أُحسن توظيفه، قادر على توفير بدائل استراتيجية للممرات البحرية التقليدية المهددة، عبر تطوير شبكة برية متكاملة لنقل الطاقة والبضائع بين الخليج والمتوسط. ويعزز ذلك من مرونة الإقليم وقدرته على مواجهة الصدمات الجيوسياسية.

استقرار منظومات الطاقة

يشدد الدكتور عربش على أن الاهتمام الدولي المتزايد باستقرار أسواق الطاقة يضع المنطقة أمام مسؤولية مضاعفة، باعتبارها مصدراً رئيسياً للنفط والغاز. فتنويع مسارات نقل الطاقة عبر ممرات برية جديدة لا يهدف إلى استبدال الطرق البحرية، بل إلى تعزيز أمن الإمدادات وتقليل المخاطر. ويؤكد أن تحقيق هذا الهدف يتطلب بيئة سياسية وأمنية مستقرة في دول العبور، ما يمنح هذه المشاريع بعداً استراتيجياً يتجاوز حدود الاقتصاد.

سيناريوهات المستقبل المحتمل

في قراءته للمستقبل يوضح الدكتور عربش أن المنطقة ستشهد إعادة تشكيل عميقة سواء انتهت الصراعات الحالية أو استمرت، حيث يتجه الخليج نحو التحول إلى مركز لوجستي رقمي، بينما تتطور التحالفات باتجاه نماذج متعددة الأقطاب قائمة على المصالح الاقتصادية المشتركة. كما يبرز مفهوم “الأمن الشامل” الذي يدمج بين الأبعاد الطاقوية والغذائية والمناخية، كأحد المرتكزات الأساسية للمرحلة المقبلة.

خلاصة المشهد الإقليمي

يخلص الدكتور عربش إلى أن الحراك المكوكي الذي تشهده المنطقة ليس مجرد نشاط دبلوماسي عابر، بل يمثل إعادة صياغة منهجية لموقع الشرق الأوسط في النظام العالمي. وفي ظل الطلب الدولي المتزايد على استقرار الطاقة، يصبح تحقيق التوازن بين المصالح الإقليمية والدولية ضرورة لا خياراً. ومن هنا، فإن تبني مقاربة تعاونية شاملة، تستند إلى التكامل الاقتصادي وإدارة الموارد المشتركة، يشكل الطريق الأكثر واقعية نحو تحقيق تنمية مستدامة تعود بالنفع على جميع الأطراف.

Leave a Comment
آخر الأخبار