الحرية ـ د. رحيم هادي الشمخي:
الأخطاء المطبعية أو الطباعية لا بد أن تقع في أي صحيفة أو مجلة في سائر بلاد المعمورة، فلا تخلو منها صحيفة ولا تنجو منها مجلة مهما كان حرصها ودقة ملاحظتها، حتى الكتب على هدوء إنجازها لا تنجو منها أيضاً.
ولا يخفى على أحد أن النقطة – مجرد نقطة على صغر حجمها – قد تقلب تماماً معنى كلمة أو جملة، فتورث حرجاً للكاتب هو في غنى عنه، وينبغي في هذه الحالة أن يلتمس الكاتب لمجلته العذر، فأمام زحمة العمل وضيق الوقت الناتج عن سرعة التوضيب، والالتزام الصارم بمواعيد الطباعة، والرغبة في الانتشار وضرورة الانسجام مع هذا الانتشار، والحرص على الكمال رغم الإدراك بأنه غاية لا تدرك.. في هذا الجو المعبّأ برائحة المسؤولية الثقيلة والخوف من الخطأ، تولد الأخطاء المطبعية من بين ثنايا قصة أو قصيدة أو مقال.
نماذج طريفة من الأخطاء
في حوار مع فنانة مسرحية، قدمها المحرر الصحفي كالآتي: «وفنانتنا تستحق لقب أميرة الشاشة العربية، فهي متعددة المواهب، عميقة الثقافة، غنية الخبرات والتجارب. الحديث معها يتميز بسحر خاص، تأسر القلوب بابتسامتها الدائمة التي هي سر شبابها الدائم، والحيوية الدائبة، والعطاء المتجدد». ثم أردف قائلاً: «وبالإضافة إلى الصفات التي ذكرتها آسفاً!!» ثم عدد صفات أخرى كثيرة، ولا يملك القارئ إلا أن يضحك كثيراً، لأن “آسفاً” نسفت تماماً ما تقدم وتأخر من كلمات ومقدمات. وكما ترى، فإن السين بدل النون في كلمة «آسفاً»، إذ يجب أن تكون الكلمة «آنفاً» قد أسقطت المعنى والمقصود.
ومن الأخطاء المطبعية الطريفة والمضحكة، خطأ مطبعي وقع في إحدى الصحف الكبرى، إذ نشرت شركة تجارية كبيرة إعلاناً بالبنط العريض استهلته بهذه العبارة: «يسر الشركة أن تعلن لعملائها الكرام…»، فنشر الإعلان هكذا: «يسر الشركة أن تلعن عملاءها الكرام!».
وفي مرة أخرى، كان المفروض أن يكون الخبر «عوفي» فلان من مرضه الذي لازم الفراش من أجله فترة طويلة، ولكن الخطأ المطبعي حوله إلى «توفي» فلان من مرضه الذي لازم الفراش من أجله فترة طويلة!!
ونشرت إحدى المجلات الأسبوعية إعلاناً قالت فيه إنها «أوسع» المجلات العربية انتشاراً، ولكن الخطأ المطبعي حول العبارة إلى أنها «أوسخ» المجلات العربية انتشاراً!!
سبب الأخطاء المطبعية
أرجع المتخصصون سبب انتشار الأخطاء المطبعية، لاسيما في الصحف والمجلات، إلى أن ماكينات الجمع (سابقاً) كانت كلها “ماكينات سطرية”، بمعنى أنه إذا كان هناك حرف واحد به خطأ أو ليس في مكانه، فإن على العامل أن يعيد جمع السطر كله، والذي عادة ما يحتوي على 28 حرفاً على الأقل. وقد يصلح العامل الحرف الخطأ ثم يخطئ في حرف آخر. ومن هنا، فإن على المصحح أن يقرأ السطر بأكمله، ثم يقرأ السطر العلوي وسطراً في أسفل السطر المصحح، حتى لا يكون عامل التوضيب قد وضع السطر الجديد في مكان سطر آخر. وليس هناك بديل لخلو الصحيفة من الخطأ المطبعي سوى قراءتها ومراجعتها ثلاث مرات على الأقل، إضافة إلى السرعة في العمل وضرورة صدور الجريدة أو المجلة في موعدها.
ليست أخطاء مطبعية
ينبغي على القارئ اللبيب أن يفرق بذكائه بين الأخطاء المطبعية غير المقصودة – رغم أنها تغير المعنى تماماً كما أسلفنا – والأخطاء الناتجة عن عدم الإلمام بالحقائق العلمية والتاريخية الثابتة، وثمة أمثلة لبعض الأخطاء العلمية والتاريخية التي لا تُعتبر بأي حال أخطاء مطبعية.
في برقية من أمريكا تُرجم ما نشر بها، وهو أن لصاً سرق خمس مواسير من الحديد وزنها ألفا ومائتا رطل، وحاول المترجم أن يجرب علمه في الأثقال والموازين، فأضاف بين قوسين “أي طن وخمس وطن!” ظناً منه أن الطن ألف رطل. وهذا خطأ، لأن الطن فيه ألف كيلوغرام، أي نحو 2250 رطلاً.
ومن الأخطاء التاريخية هذا الخبر الذي نشر هكذا: «… عباس الأول والي مصر اصطدم ذات مرة في مجلس النظار بناظر المعارف سعد باشا زغلول…!» وسعد زغلول لم يكن قد ولد بعد في عهد عباس الأول الذي حكم مصر في منتصف القرن التاسع عشر، كما أنه لم يكن هناك يومئذ مجلس للنظار (أي للوزراء) أو وزارة للمعارف.
بعد هذا كله، ينبغي للقارئ أن يهون على نفسه ويهدئ من روعه إذا اكتشف خطأ مطبعياً في صحيفته أو مجلته المفضلة، تقديراً لجهود القائمين عليها، فهؤلاء، يحق لهم أن يهمسوا لك، من فرط هذا الجهد الكبير، بأنك وأنت تقلب ورق الصحف والمجلات، فإنك لا تقلب ورقاً، وإنما عرق المحررين والمصورين والخطاطين والعمال الذين لم يناموا الليل.
أكاديمي وكاتب عراقي