البرنامج النووي الإيراني بعد الحرب.. بين إعادة البناء وضغوط التفاوض

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية ـ سامر اللمع::

أظهرت التطورات الأخيرة أن الضربات الأميركية– الإسرائيلية ضد ايران، وآخرها في 28 شباط/فبراير 2026، لم تنهِ التهديد المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، بل أعادت تشكيله. فوفق تقديرات استخباراتية أمريكية حديثة، لا تزال إيران قادرة على إنتاج سلاح نووي خلال نحو عام واحد إذا اتخذت قراراً بذلك، رغم الأضرار التي لحقت بمنشآت رئيسية مثل نطنز وفوردو وأصفهان.

إلا أن الأهم من ذلك هو استمرار الغموض حول مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، حيث تشير تقارير إلى فقدان القدرة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية على تتبع نحو 440 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي كمية قريبة تقنياً من مستوى الاستخدام العسكري.

هذا الواقع يعكس تحوّلاً في استراتيجية البرنامج النووي الايراني من نموذج “منشآت كبيرة مكشوفة” إلى نموذج أكثر مرونة وسرية، وهو ما ذكره تقرير صدر أمس الاثنين عن مؤسسة كارنيغي للسلام، مشيراً إلى احتمال توجه إيران نحو منشآت أصغر وأكثر سرية لتقليل قابلية الاستهداف.

ـ دلالات تقرير كارنيغي : القدرة على التعافي لا الاختفاء

يقدم تقرير مؤسسة كارنيغي للسلام قراءة مهمة مفادها أن الحرب لم تُنهِ البرنامج النووي الايراني، بل قيّدته مؤقتاً فقط. حيث أدت الضربات الأمريكية ـ الاسرائيلية إلى تعطيل جزء كبير من البنية التحتية، لكنها لم تُلغِ المعرفة التقنية أو القدرات الكامنة لدى إيران.

ويرى التقرير أن طهران قد لا تجعل تطوير السلاح النووي أولوية فورية، إذ تركز حالياً على إعادة بناء قدراتها العسكرية التقليدية (الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة)، لكنها تحتفظ بخيار العودة السريعة للمسار النووي.

بمعنى آخر، انتقل البرنامج من “تقدم مستمر” إلى “قدرة كامنة قابلة للاستئناف”، وهو ما يزيد من صعوبة احتوائه دولياً.

ـ مفاوضات ما بعد الحرب وسياسة الضغط الأقصى الأمريكية

المفاوضات الأخيرة بين واشنطن وطهران بوساطة باكستانية، جرت في ظل بيئة مشحونة عسكرياً، وقد سبقتها جولات عديدة لم تحرز أي تقدم بل ترافقت مع تصعيد عسكري وضغوط مباشرة من واشنطن.

وتعتمد الادارة الأمريكية على مزيج من الضغوط الاقتصادية والعسكرية لإجبار إيران على تقديم تنازلات، بما في ذلك الحصار وتشديد العقوبات. ومع ذلك، تشير التجارب السابقة إلى أن هذه السياسة قد تدفع إيران نحو المزيد من التشدد النووي بدل التراجع، خاصة في ظل الضغوط الداخلية والأزمة الاقتصادية.

كما أن استمرار التوتر يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، مثل المواجهة الإقليمية عبر الوكلاء أو ضربات عسكرية جديدة، وهو ما يبقي المنطقة في حالة عدم استقرار دائم.

وتتمسك واشنطن بمطالب رئيسية أبرزها تفكيك كامل لبرنامج تخصيب اليورانيوم.

وتوسيع الاتفاق ليشمل البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي خاصة ما يخص فتح مضيق هرمزالذي تسيطر عليه إيران.

فيما يتمثل الموقف الإيراني بالإصرار على حق التخصيب لأغراض سلمية، ورفض ربط الملف النووي بالقضايا الإقليمية أو العسكرية.

هذه الفجوة تعكس اختلافاً جوهرياً، فواشنطن تسعى لاتفاق شامل طويل الأمد، بينما تريد طهران اتفاقاً محدوداً يرفع العقوبات دون المساس بسيادتها الاستراتيجية.

ـ هل سترضخ إيران للمطالب الأمريكية؟

من غير المرجح أن ترضخ إيران بالكامل للمطالب الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بوقف التخصيب نهائياً. فالتخصيب يمثل بالنسبة لها ورقة تفاوض أساسية

وضمانة ردع استراتيجية. وفي المقابل، قد تُبدي إيران مرونة تكتيكية، مثل خفض مستويات التخصيب وقبول رقابة دولية مشروطة أو حتى تجميد مؤقت لبعض الأنشطة وذلك مقابل رفع العقوبات والحصول على مكاسب اقتصادية.

إذاً وفي خلاصة القول، تشيرالمعطيات الحالية إلى أن البرنامج النووي الإيراني لم يعد مجرد مشروع تقني، بل تحول إلى أداة استراتيجية في لعبة توازن القوى. فالحرب لم تُنهِ البرنامج، والمفاوضات لم تُقنع الأطراف، ما يضع المنطقة أمام معادلة معقدة: إيران تمتلك القدرة على الاقتراب من السلاح النووي، والولايات المتحدة تملك القدرة على التعطيل، لكن أياً منهما لا يملك حلاً نهائياً.

وعليه، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار “إدارة الأزمة” بدل حلّها، مع احتمالات متقطعة للتصعيد أو الانفراج، دون حسم نهائي في المدى القريب.

Leave a Comment
آخر الأخبار