«التوم ضل توم».. حكمة شعبية سورية عن الطبع الذي لا يتغير

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية – باسمة إسماعيل:

تحولت تفاصيل الحياة اليومية في الذاكرة الشعبية السورية إلى مرآة واسعة لقراءة البشر، فالأرض لم تكن مجرد مساحة للزراعة، والنباتات لم تكن مجرد محاصيل موسمية، بل رموزاً تحمل معاني أعمق تختصر التجارب الإنسانية بعبارات قليلة.

ومع موسم الثوم، يعود هذا النبات إلى الواجهة محملاً بما هو أبعد من رائحته الحادة، إذ ارتبط في الأمثال الشعبية بفكرة الطبع الذي يبقى عصياً على التغيير مهما غمرته محاولات التهذيب والتجميل.

من الحقول خرجت الحكاية

الباحث في التراث ومدير دائرة أوغاريت، الدكتور غسان القيم، يؤكد لـ«الحرية» أن الأمثال الشعبية في الريف السوري، وخاصة الساحلي، ولدت من معايشة الناس اليومية للأرض والطبيعة، ومن مراقبتهم الدقيقة لسلوك البشر، لذلك جاءت بسيطة في كلماتها، عميقة في دلالاتها.

ويقول القيم: إن الفلاح السوري القديم أدرك بالفطرة أن بعض الطباع تشبه جذور النباتات، مهما تغيرت البيئة المحيطة بها بقيت محتفظة بخصائصها الأولى، ومن هنا جاء المثل الشعبي الشهير:

«زرعت راس توم ببستاني شكيته

من مية الفل وعطر الورد سقيته

وغبت عنه سنة ورجعت شميته

التوم ضل توم وراح يلي حطيته»

رمز لا نبتة فقط

لا يتوقف المثل عند وصف الثوم كنبات، بل يحوله إلى استعارة إنسانية مكثفة، فالثوم الذي زرع بين الورود وسقي بالعطر بقي محتفظاً برائحته الأصلية، في إشارة إلى أن الجوهر الحقيقي لبعض الأشخاص لا تغيره المجاملات ولا تبدله السنوات.

ويشير القيم إلى أن هذا المثل كان يتداول كثيراً في البيئات الريفية، لا بروح السخرية أو القسوة، بل كنوع من الحكمة الهادئة التي تعلمها الناس من تجارب طويلة مع البشر والحياة.

حكمة تحمل خيبة صامتة

ويضيف القيم أن المثل يحمل في طياته خيبة مكتومة أكثر مما يحمل إدانة، فهو يعبر عن أولئك الذين حاولوا منح الآخرين الحب والاحتواء والفرص الجديدة، لكنهم اكتشفوا في النهاية أن بعض الطباع تبقى أقوى من كل محاولات التغيير.

فالذاكرة الشعبية، كما يوضح القيم، كانت واقعية إلى حد بعيد، لذلك ربطت بين رائحة الثوم والطبع الأول، وبين الورد ومحاولات التجميل التي قد تخفي الحقيقة مؤقتاً لكنها لا تلغيها.

الأمثال.. فلسفة الناس البسطاء

ويختم قائلاً: رغم بساطة كلمات هذا المثل، إلا أنه يختزن فلسفة اجتماعية كاملة صاغها الناس بعفوية، حتى بقي حاضراً في البيوت والمضافات والحقول جيلاً بعد جيل، تماماً كرائحة الخبز الخارج من تنور القرية.

وفي زمن تتبدل فيه الوجوه والظروف سريعاً، لا تزال الحكمة الشعبية تهمس بعبارتها القديمة: «ليس كل ما يُسقى عطراً… يصبح عطراً».

.

Leave a Comment
آخر الأخبار