الحرية – محمد زكريا:
في أروقة ومفاصل بعض الجهات المرتبطة بالاقتصاد السوري، يدور دائماً جدل كلاسيكي حول الرسوم الجمركية، فبين من يراها درعاً يحمي، ومن يراها قيداً يخنق، تضيع بوصلة النهضة، ولوضع حد لهذا الجدل، لا بد من طرح مفهوم «الجمارك الذكية»، وهي الوصفة السرية التي نقلت النمور الآسيوية من الفقر إلى الثراء الفاحش.
فخ الجمارك التقليدي
حسب الباحث الاقتصادي محمد خالد حسون، فإن الجمارك المرتفعة تاريخياً هي الجمارك «المفيدة» ظاهرياً، لأنها تحمي المصانع الوطنية من طوفان المستورد، وتمنحها فرصة النمو والبقاء داخل الحدود السورية، لكن عيبها القاتل هو أنها قد تخلق «مصانع كسلانة» تحتكر السوق وتنتج جودة منخفضة بسبب غياب المنافس، في حين أن الجمارك المنخفضة هي التي تفتح الباب للمنافسة الدولية وتدفع المصانع للتطوير ومنع الاحتكار، لكنها قد تتحول إلى «جمارك قاتلة» تنهي المصنع الوطني في مهده قبل أن يمتلك القدرة على المواجهة.
ثورة الجمارك الذكية
أشار حسون إلى أن الجمارك الذكية لا تقوم بها إلا «الحكومات الذكية»، وهي الاستراتيجية التي تهدف إلى «نقل المنافسة من السوق العالمية إلى السوق الوطنية»، فبدلاً من أن نترك المصنع السوري يواجه مصانع الصين (منافسة عالمية)، أو نجعله يحتكر السوق وحده (كسل محلي)، نقوم بعملية نقل ذكية للمنافسة لتصبح «سوريا – سوريا».
نقل المنافسة
وأوضح حسون أن هذا هو العمل العميق الذي قامت به دول مثل الصين وكوريا الجنوبية وتايوان، ويتم عبر قاعدة «الستة مصانع». لتحقيق النهضة، لا يكفي إنشاء مصنع واحد لكل منتج، بل يجب إقامة 6 مصانع وطنية على الأقل للمنتجات المتشابهة، فعندما يمتلك الوطن 6 مصانع (أحذية، برادات، أو نسيج)، ستبدأ هذه المصانع في صراع «البقاء للأفضل» فيما بينها، وبالتالي ستضطر هذه المصانع للتنافس الشرس لتقديم أفضل جودة وأقل سعر لكسب رضا المواطن السوري، وهنا نكون قد نقلنا «حمى المنافسة» إلى الداخل، وجعلناها محركاً للتطور الوطني الخالص، محققين بذلك «عصفورين بحجر واحد».
تحقيق أهداف
وبيّن حسون لـ«الحرية» أنه باعتماد «الجمارك الذكية» وقاعدة المصانع الستة، تحقق الحكومة السورية هدفين استراتيجيين في وقت واحد: الأول هو الإبقاء على رسوم جمركية مرتفعة جداً لحماية هذه القلاع الستة من المنافسة الخارجية ومنع خروج العملة الصعبة، والثاني هو خلق ظروف منافسة شرسة تدفع هذه المصانع الوطنية إلى تجويد منتجاتها وتقليل أسعارها تلقائياً لتنافس شقيقاتها في الداخل.
ولهذا السبب، يقول حسون، لا تجد في دول النمور الآسيوية مصنعاً واحداً محتكراً، بل تجد تكتلات ومصانع متعددة لكل منتج، تتسابق فيما بينها بالجودة والسعر، بينما تفرض الحكومة جمارك عالية جداً على أي دخيل أجنبي.
تكتلات صناعية
ويختم حسون حديثه، الجمرك ليس مجرد «رقم» يُفرض، بل هو «بيئة» تُخلق، والجمارك الذكية هي التي تحمي المصنع الوطني بأسوار عالية من الخارج، وتشعله بنيران المنافسة من الداخل عبر تعدد المصانع الوطنية، وإذا أردنا ازدهار سوريا، فلنبدأ ببناء التكتلات الصناعية الستة لكل قطاع، ولنرفع الجمارك إلى عنان السماء، ولنترك ذكاء المصنع السوري يبدع في المنافسة الوطنية.