الحوالات الخارجية تحرّك الأسواق المحلية خلال عيد الأضحى

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية _ رشا عيسى:

عشية عيد الأضحى المبارك، تتزايد الحوالات المالية الأسرية الخارجية إلى سوريا، لتشكل عاملاً مساعداً في تخفيف جزءٍ من الأعباء المعيشية اليومية.

ويرى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي في حديث لـ«الحرية» أن الحوالات الخارجية، سواء الأسرية أو الداعمة، أصبحت تشكل «اقتصاداً موازياً» متكاملاً داخل سوريا لمنع الانهيار الكامل لشبكة الأمان الاجتماعي.

تعويض انهيار الأجور

يوضح كويفي أن الرواتب الرسمية، رغم الزيادات الأخيرة خلال عام 2026، ما تزال عاجزة عن تغطية تكاليف المعيشة بشكل كامل، الأمر الذي جعل الحوالات المصدر الفعلي للقدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من السوريين.

ويضيف إن هذه الحوالات لا تؤدي دوراً معيشياً فقط، بل أصبحت أيضاً المصدر الأكبر لتدفق العملات الأجنبية إلى الداخل السوري، متجاوزة بأضعاف عائدات التصدير والسياحة المتعثرة، ما يجعلها عاملاً محورياً في تحريك الأسواق المحلية وتأمين السيولة بالدولار واليورو.

اقتصاد موازٍ

وتنقسم الحوالات الواردة إلى سوريا بين قنوات رسمية عبر شركات الصرافة المرخصة التي تعتمد أسعار مصرف سوريا المركزي، وقنوات غير رسمية تنشط في السوق السوداء.

وبحسب كويفي، أدى هذا الانقسام إلى تشكل شبكة مالية ضخمة تدير ملايين الدولارات يومياً بعيداً عن الدورة الاقتصادية الحكومية التقليدية، ما أوجد حالة من التهرب المالي وصعوبة تتبع حركة الأموال.

كما يشير إلى أن المشهد المالي يشهد تحولاً متسارعاً نحو استخدام العملات المشفرة والمنصات الرقمية لتحويل الأموال، بهدف تجاوز القيود والعمولات المرتفعة، وهو ما يضعف فعالية أدوات السياسة النقدية التقليدية ويحد من قدرة المصرف المركزي على ضبط السوق.

مخاطر هيكلية

ورغم أهمية الحوالات في دعم الأسر، إلا أن الباحث الاقتصادي كويفي  يحذر من مخاطر هيكلية طويلة الأمد قد تنتج عن اعتماد الاقتصاد السوري المفرط عليها، وأبرزها ما يسميه «النسخة المعيشية من المرض الهولندي».

ويشرح أن تدفق العملات الأجنبية الموجهة للاستهلاك يؤدي إلى رفع الأسعار محلياً دون زيادة حقيقية في الإنتاج، ما ينعكس على شكل تضخم مدفوع بالطلب، ويؤدي إلى ازدهار القطاعات الخدمية والتجارية البسيطة على حساب الزراعة والصناعة.

ويؤكد أن هذا الواقع يوسع الفجوة الطبقية، إذ تصبح السلع والخدمات أكثر كلفة بالنسبة للعائلات التي لا تتلقى حوالات خارجية.

تراجع الحافز

ومن بين التداعيات الخطيرة أيضاً، بحسب كويفي، تراجع الحافز لدى الشباب للانخراط في سوق العمل المحلية، عندما تصبح حوالة شهرية بسيطة من مغترب تعادل رواتب عدة أشهر داخل البلاد، ويرى أن هذا الأمر ينعكس سلباً على الإنتاجية المحلية، ويسهم في تفريغ البلاد من طاقاتها البشرية، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى إعادة تنشيط قطاعاتها الإنتاجية والخدمية.

هشاشة اقتصادية

كما يحذر الباحث الاقتصادي من أن الاقتصاد القائم على الحوالات الخارجية يبقى اقتصاداً هشاً، مرتبطاً بالمتغيرات السياسية والقانونية في دول الاغتراب، فأي تشديد لقوانين اللجوء أو حدوث أزمات اقتصادية في الدول المستقبلة للمهاجرين قد يؤدي إلى انقطاع هذا الدعم المالي بشكل مفاجئ.

كما يلفت إلى ما يسميه «فجوة الأجيال»، حيث إن الجيل الأول من المغتربين يرسل الأموال بدافع المسؤولية العائلية المباشرة، بينما تتراجع هذه الروابط تدريجياً لدى الأجيال اللاحقة، ما يهدد بانخفاض الحوالات مستقبلاً.

طفرة الحوالات

ويؤكد كويفي أن عيد الأضحى يحمل خصوصية اقتصادية إضافية، مع ارتفاع تكاليف الأضاحي والمواد الغذائية والاحتياجات المعيشية، ما يدفع المغتربين إلى تقديم دعم استثنائي لعائلاتهم.

كما تتجه نسبة من هذه الأموال نحو المبادرات الخيرية والمشاريع الصغيرة والنشاطات التطوعية، في إطار التكافل الاجتماعي الذي فرضته الظروف الاقتصادية الراهنة.

ورغم هذا التدفق المالي، يشدد كويفي على أن معظم الحوالات تذهب لتغطية النفقات الاستهلاكية المباشرة، مثل الغذاء والطبابة والإيجارات والطاقة، ما يعني أنها تحرك عجلة التجارة المؤقتة لكنها لا تؤسس لاقتصاد منتج ومستدام.

مقترحات

ولمواجهة هذه التحديات، يدعو كويفي إلى تبني سياسات نقدية واقتصادية جديدة تهدف إلى تحويل الحوالات من أداة دعم استهلاكي إلى رافعة تنموية، عبر عدة خطوات أبرزها:

تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، ويشدد على ضرورة متابعة تقليص الفارق بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق السوداء، إلى جانب تخفيف الإجراءات البيروقراطية ورفع القيود المفروضة على السحب والتحويل.

تنظيم الاقتصاد الرقمي

كما يدعو كويفي إلى وضع إطار قانوني للتعامل بالعملات الرقمية والمنصات الإلكترونية، بما يسمح بدمج هذا النشاط ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية وتحت الرقابة المالية، كما يقترح إطلاق «صناديق اغتراب استثمارية» تتيح للمغتربين توجيه جزء من حوالاتهم نحو مشاريع إنتاجية صغيرة في الزراعة والصناعة والخدمات، بما يسهم في إيجاد فرص عمل وتحويل التمويل من الاستهلاك إلى الإنتاج.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار