وهم القاطرة العقارية وجدلية العلاقة بين الإنتاج والعقار.. إعادة توزيع أم خلق قيمة؟

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – عثمان الخلف:

حين يُطرح سؤال «كيف نحرك اقتصاد ما بعد الحرب؟»، تبدو الإجابة العقارية سهلة ومغرية، فالعقار لا يحتاج إلى تقنية معقدة، ولا إلى عمالة ماهرة بالضرورة، ولا إلى تحول جذري وطويل الأمد في النموذج الاقتصادي. وإضافة إلى ذلك، فهو نشاط يمس قطاعات عديدة دفعة واحدة، كالإسمنت والحديد والزجاج والكهرباء والتشطيب والنقل وغيرها.

عقار اجتماعي وظيفي

اقتصاد العقارات في جوهره يُعيد توزيع ثروة موجودة مسبقاً أو يضخمها ورقياً دون خلق قيمة إنتاجية حقيقية وجديدة، وبدلاً من ضخ الاستثمارات لإعادة بناء القاعدة الإنتاجية، ينجذب رأس المال نحو مشاريع الترف العقاري سريعة الربح.
هنا يرى الباحث الاقتصادي مازن الشاهين، في حديثه لـ«الحرية»، أن الأمر هو إشكالية حقيقية ومتكررة في اقتصادات ما بعد الحرب، فالفخ العقاري ليس وهماً نظرياً، ويؤكد أن الاقتصاد السوري فقد ما يزيد على 60% من حجمه وفق تقديرات البنك الدولي، والقطاع الصناعي الذي كان يُشكل نحو 25% من الناتج المحلي بات في حالة شلل شبه تام، فيما الزراعة التي تُعد عصب الأمن الغذائي لشريحة واسعة من السكان تعاني من تدمير البنية التحتية الريفية وهجرة العمالة الزراعية.
ويبيّن أن الأفضل اقتصادياً واجتماعياً هو إعادة بناء القاعدة الإنتاجية أولاً، وهذا صحيح استراتيجياً، لكنه يتجاهل إشكالية الفجوة الزمنية، فإعادة تأهيل المصانع تحتاج كهرباء مستقرة، والكهرباء تحتاج إلى بنية تحتية، وهذه تحتاج تمويلاً وأماناً مؤسسياً.
فالمعادلة، حسب الشاهين، ليست بين العقار والإنتاج، بل ينبغي أن تكون عقاراً اجتماعياً وظيفياً في خدمة الإنتاج لاحقاً، فما يحتاجه الاقتصاد السوري ليس رفضاً مطلقاً للعقار، بل حوكمة صارمة تفرق بين العقار الوظيفي الذي يخدم المجتمع، والعقار الريعي الذي يخدم القلة فقط، والفارق بين التجربتين لا يكمن في القطاع ذاته، بل في من يصنع القرار ولمصلحة من.

تحريك للسيولة.. ولكن

الخبير المصرفي عمار حاج عبيد قال في تصريح مماثل إن العقار يستطيع تحريك السيولة المالية، لكنه لا يستطيع وحده بناء اقتصاد مستدام، فمعظم الاقتصادات التي اعتمدت على الطفرة العقارية كمحرك رئيسي للنمو انتهت إلى بنية هشة تعتمد على المضاربة وتدفقات الأموال الخارجية أكثر من اعتمادها على الإنتاج الفعلي، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين اقتصاد يقوم على خلق القيمة عبر الصناعة والزراعة والخدمات المنتجة، وبين اقتصاد يقوم على تضخم قيمة الأصول دون توسع موازٍ في القدرة الإنتاجية.
وفي الحالة السورية، يوضح حاج عبيد أن هذه الإشكالية تبدو أكثر حساسية، فالاقتصاد السوري تعرض خلال السنوات الماضية لتآكل عميق أصاب الصناعة والزراعة والبنية التشغيلية وسوق العمل، لذلك، فإن توجيه الجزء الأكبر من الاستثمارات نحو المشاريع العقارية الفاخرة أو المشاريع سريعة الربح قد يخلق انطباعاً مؤقتاً بالتحسن، لكنه لا يعالج جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
كما أشار الخبير المصرفي إلى أن النشاط العقاري في بيئات ما بعد الحرب غالباً ما يخدم شريحة ضيقة من أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة والمضاربين وبعض المستثمرين الباحثين عن أرباح سريعة، بينما تبقى الشرائح الأوسع خارج دائرة الاستفادة الحقيقية.
ولا يُقلل الخبير المصرفي من أهمية إعادة الإعمار أو من دور قطاع البناء، بل على العكس، فالعقار يمكن أن يكون جزءاً مهماً من عملية التعافي، لكن الخطأ يكمن في اعتباره «القاطرة الوحيدة» للاقتصاد، فالتجارب الأكثر نجاحاً في إعادة الإعمار، وفق حاج عبيد، لم تبدأ من الأبراج والأسواق الفاخرة، بل من إعادة بناء القاعدة الإنتاجية، ودعم الصناعة والزراعة، وتحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وخلق فرص عمل مستقرة قادرة على توليد دخل حقيقي ومستدام.

Leave a Comment
آخر الأخبار