الحرية ـ إلهام عثمان:
تقف اللغة العربية اليوم، كلغة أم، أمام اختبار حقيقي لصمودها، لا سيما لدى الأجيال الصاعدة التي أصبحت تدمج بين مفرداتها وألفاظ أجنبية بطرق غير مألوفة، بل تكاد تشكل “لغة ثالثة” هجينة، وليس الخطر في استعارة بعض المصطلحات الأجنبية، فهذا أمر عرفته العربية عبر قرون، بل الخطر الحقيقي هو تحول هذه الممارسة إلى نمط تواصلي يومي يُضعف الملكة اللغوية ويهدد الهوية الثقافية من الداخل
فإلى أي مدى يمكن للغة العربية أن تحافظ على مكانتها وهوية الناشئة السورية، في ظل تغلغل ألفاظ ومصطلحات أجنبية هجينة باتت لساناً يومياً في الجامعات ومنصات التواصل؟
اللغة الثالثة
ينتشر بين الشباب اليوم وعبر وسائل التواصل الإجتماعي عشرات الألفاظ الهجينة، مثل: “أوكي”، “سوري”، “نايس”، “لايك”، “كومنت”، وصولاً إلى “لازم أعمل بوكينغ” أو “الموضوع أوفر”، إضافة إلى “العربيزي” باستخدام الأرقام (3 للعين، 7 للحاء)
أما في سوريا، وتحديداً بين طلاب الجامعات، فينتشر: “برو” للمخاطبة، “فاين” بمعنى تمام، “ريلاكس” للتهدئة، “تشيك” للتأكد، “إيستر إيغ” لمفاجأة سارة، “غيمنغ” لمن يتلاعب، “أف” للمزاج السيئ، و”فولو” و”بلوك” للمنصات الرقمية. هذه الألفاظ حاضرة داخل الحرم الجامعي وعلى تيك توك وإنستغرام، ما ينذر بترسخها كلغة موازية للعامية
من “لايك” إلى “توكسيك”.. كيف تحولت اللغة الهجينة الثالثة إلى لسان يومي لدى شباب سوريا؟
سيف ذو حدين
هنا توضح الخبيرة التربوية سليمة المراد ومن عبر حديث مع “الحرية”، أن لهذه اللغة الثالثة آثاراً سلبية، كتراجع الفصاحة وضعف التعبير الكتابي، ومن وإيجابياتها الانفتاح على لغات أجنبية واستيعاب مصطلحات تقنية، بشرط ألا يكون على حساب الأصل
لماذا تنتشر “لغة الشاشة”؟
و ترجع المراد الأسباب إلى: إلى إنجراف الشباب ورغبتهم في تقليد المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولسهولة لوحات المفاتيح الأجنبية، أيضاً الرغبة في السرعة والتميز، والأعمق والأخطر.. غياب المحتوى العربي الجذاب في الفضاءات الرقمية
الخطر في التسطيح
من جانبه أوضح مدرس لغة عربية حسين محمد، وهو بخبرة 10 أعوام في التدريس أن أخطر ما يراه في الفصل اليوم ليس أن طالباً يقول ‘سوري’ بدل ‘آسف’، بل أنه عندما يغضب لا يجد من مفردات العربية جملة أقوى من توكسيك، مسترسلاً: لغتنا غنية بـ: مؤذٍ، خبيث، طاعن، قاسٍ، مرير وسام، لكن الطالب يستبدلها بمصطلح أجنبي واحد لأنه يظنه أقوى أو أحدث.
و يكمل حديثه: لا أخشى على اللغة من التغير، فالتطور سنة الحياة لكنني أخشى عليها من ‘التسطيح’ الذي يجردها من قدرتها على التعبير عن المشاعر العميقة
حلول عملية
وعن الحلول الممكنة يقترح محمد عدة نقاط أهمها:
- تعزيز التعليم بالعربية، من خلال مدرسة جاذبة مع انفتاح مدروس على اللغات الأخرى
- استراتيجية إعلامية رقمية، عبر محتوى عربي فصيح ميسّر على يوتيوب وتيك توك
- تعريب المصطلحات، “تعليق” بدل “كومنت”، “إعجاب” بدل “لايك”، “حجز” بدل “بوكينغ”
- تحفيز الإبداع بالعربية، كأغاني، مسلسلات، وألعاب إلكترونية عربية.
ليست في خطر
وختم محمد: لغة الأم ليست في خطر لأن آخرين يؤثرون فيها، بل تكون في خطر، إذا توقفت عن التأثير في أبنائها، لافتاً إلى أن تلك الظاهرة، تعتبر مرآة لحاجة الجيل إلى لغة تواكب العصر، والحل ليس محاربة الهجين، بل إعادة بناء جسر الثقة بين العربية الفصيحة والرقمي الطاغي، مع الوعي بأنه يمكن تحويل التحدي إلى فرصة لتجديد شباب الضاد