«الليلة التي سبقت الغابات»… حين تتحول الخشبة إلى مرآة لوحدة الإنسان

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – ميسون شباني:

على خشبة دار الأوبرا بدمشق، لا يدخل المتفرج إلى عرض مسرحي تقليدي بقدر ما يجد نفسه داخل اعتراف إنساني طويل، تتجاور فيه العزلة مع الخوف، والتشرد مع الحاجة العميقة إلى الإصغاء.

هكذا بدا عرض «الليلة التي سبقت الغابات» للمخرج الدكتور منتجب صقر، المقتبس عن نص الكاتب الفرنسي برنار ماري كولتيس، والذي قُدِّم برؤية إخراجية معاصرة تنتمي إلى ما يُعرف بمسرح ما بعد الدراما، حيث تتراجع الحبكة التقليدية لصالح الحالة الشعورية والانفعال الإنساني المباشر.

من النص الأوروبي إلى الوجع المحلي

لم يتعامل صقر مع النص بوصفه عملاً مترجماً جاهزاً للعرض، بل بوصفه مادة درامية قابلة لإعادة التشكيل داخل البيئة السورية. فعبر لغة محكية وسيطة، وتكثيف الرموز المرتبطة بالفقد والتشرد والانكسار الإنساني، بدا العرض قريباً من الواقع الاجتماعي والنفسي الذي يعيشه الإنسان المعاصر، سواء في سوريا أو في أي مكان آخر.

النص الأصلي الذي كتبه كولتيس أواخر سبعينيات القرن الماضي كان يتمحور حول شخصية رجل متشرد يهذي تحت المطر، باحثاً عن شخص يصغي إليه. إلا أن المعالجة الجديدة حولت هذا الصوت الفردي إلى وجع إنساني مشترك، عبر إضافة شخصية نسائية تشارك الرجل خسارته ووحدته.

ديو دراما الألم… صوتان لخذلان واحد

أحد أبرز التحولات الإخراجية تمثل في انتقال العمل من صيغة المونودراما إلى «الديودراما»، من خلال حضور شخصيتين تتقاطعان في المصير ذاته، دون أن تتحولا إلى ثنائية درامية تقليدية.

الفنان غسان الدبس قدّم شخصية رجل فقد عمله ومكانه في العالم، فبدا مأزوماً ومعلقاً دائماً على حافة الانهيار، بينما منحت الفنانة رشا الزغبي الشخصية النسائية هشاشة إنسانية واضحة، جعلتها أقرب إلى ذاكرة مثقلة بالفقد والخوف.

ورغم كثافة النص واعتماده الكبير على المونولوجات الطويلة، حافظ الأداء على توتره الداخلي من خلال الحضور الجسدي والانفعال النفسي، بعيداً عن المبالغة أو الخطابة المباشرة.

الجمهور داخل العاصفة

اختار المخرج أن يهدم الجدار الرابع بالكامل، لتتحول الخشبة إلى امتداد مباشر لصالة العرض. فالشخصيات لا تتحدث إلى بعضها فقط، بل تواجه الجمهور مباشرة، كأنها تبحث بين الوجوه عن شخص قادر على الاعتراف بوجودها.

هذا الخيار منح العرض طابعاً اعترافياً حاداً، وحوّل المتفرج من مشاهد محايد إلى شريك وجداني داخل التجربة. ففي كثير من اللحظات، بدا الصمت داخل القاعة جزءاً من العرض نفسه، وكأن المسرحية تطرح سؤالها على الجميع: كم مرة مررنا قرب المهمشين دون أن نراهم؟

جماليات البساطة والانفعال

لم يعتمد العرض على الديكور الضخم أو الحلول البصرية المعقدة، بل انحاز إلى اقتصاد بصري يخدم الحالة النفسية للنص. الإضاءة والمطر والصوت تحولت إلى عناصر دلالية أساسية، فيما بدا المطر تحديداً كأنه شخصية خفية ترافق العرض منذ بدايته حتى نهايته؛ رمزاً للعزلة، وللإنسان الذي يبحث عبثاً عن مأوى داخل عالم قاسٍ. هذا التقشف البصري منح الكلمة والانفعال مساحة أكبر، وكرّس جوهر المسرح ما بعد الدرامي الذي يقوم على حضور الحالة لا على تصاعد الحدث.

المسرح بوصفه إنصاتاً للمهمشين

ينجح العرض في الانحياز إلى الإنسان المهمش دون الوقوع في المباشرة أو الخطاب الاجتماعي التقليدي. فالتشرد هنا لا يُطرح بوصفه قضية اجتماعية فحسب، بل كسؤال وجودي يتعلق بفقدان الإنسان لمكانه وصلته بالعالم.

وقد استطاع منتجب صقر أن يقدم قراءة محلية حساسة لنص عالمي، محافظاً على روحه الفكرية، وفي الوقت نفسه جاعلاً منه نصاً قريباً من وجع المتلقي السوري.

في «الليلة التي سبقت الغابات» لا توجد حكاية مكتملة أو نهاية حاسمة، بل مساحة مفتوحة للأسئلة والقلق الإنساني. لا يسعى العرض إلى تقديم إجابات جاهزة، بل يضع الإنسان عارياً أمام هشاشته، ويحوّل المسرح إلى فعل إصغاء طويل لأولئك الذين اعتاد العالم ألا يسمعهم.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار