الحرية – جواد ديوب:
انتشرت المسلسلات المدبلجة إلى العربية بكثافة لافتة في العقدين الأخيرين، ويمكن القول إن هذا الإقبال يتناسب طرداً مع قوة ثقافة البلد المصدرة لتلك الدراما. ولم يعد فن الدوبلاج في سوريا مجرد جسر يصل المشاهد العربي بالدراما العالمية، بل تحول إلى صناعة اقتصادية واعدة تستقطب الاستثمارات وتخلق فرص العمل، وترفع اسم سوريا عالياً كمركز إقليمي للإنتاج الصوتي والإبداع الفني.
فبين المهارات الصوتية الفريدة التي يمتلكها الفنانون السوريون، والخبرات التقنية المتراكمة، تمكنت شركات الدوبلاج المحلية من فرض نفسها كلاعب رئيسي في سوق يحتضن ملايين المشاهدين، وتحقيق أرباح مجزية، مع استمرارها في تطوير هذا الفن وإتقانه.
الصوت هو أساس عملنا
التقت صحيفة «الحرية» عدداً من محترفي فن الدوبلاج، فأخبرنا المخرج الشاب ورد علي الراعي عن آلية العمل في هذه المهنة الفنية، فقال: “بدايةً، هناك نوعان من الاتفاق مع شركات الإنتاج الفني الأصل: إما بشراء الحقوق كاملة، أو أخذ حقوق تنفيذ الدوبلاج فقط، على أن تقوم الشركات الأصل بتسويق وبيع العمل. ثم تأتي مرحلة الترجمة من اللغة الأصلية إلى العربية ترجمة حرفية تماماً بكل ما في النص الأساس، حتى بلهجاته وأمثاله الشعبية ورموزه. ثم نقوم هنا بما يسمى ‘تبيئة’ العمل، أي إعداده بما يتناسب مع البيئة السورية، وتنسيقه حتى في طول الجملة المنطوقة ومطابقتها بعدد الكلمات مع مقاربات لفظية تشبه مخارج الحروف التي ينطق بها الممثلون الأصليون. ثم تأتي مرحلة الكاستينغ، أي اختيار الممثلين السوريين الذين تتطابق خامة ونبرة أصواتهم مع الشخصيات الأصل في المسلسل الأجنبي.”

وأوضح الراعي أن سوريا تمتلك خامات صوت رائعة وخبرات طويلة ومتنوعة الفئات العمرية، وأن اختيار الأنسب للدور هو من صلب عمله كمخرج صوتي أو مشرف دوبلاج، إذ يجب أن يشاهد كامل حلقات المسلسل ويراقب كل تفاصيله الصوتية، ارتفاعاً وانخفاضاً وتدرجات مشاعر، ليستطيع توجيه المدبلجين. وهذا يعد إخراجاً جديداً يحتاج دراية عالية بخامات وطبقات الصوت، ومعرفة دقيقة بالنص الأساس، وتتابع المشاهد في الحلقات المتقدمة لمعرفة تحولات السرد الدرامي لاحقاً، وكل ذلك بما يتناسب مع البيئة والجمهور العربي عموماً والسوري تحديداً.
وأضاف: “أفضل أن يأخذ الممثل دوره فيما يمكن تسميته ردود الفعل الطبيعية، وأن يكون تمثيله الصوتي أقرب للواقعية، لا أن تظهر علامات الدوبلاج، فهذا يعتبر تزييفاً أو ابتعاداً عن جمالية أن يشعر المتفرج أن ما يشاهده أقرب إلى الواقع. ثم تأتي مرحلة المكساج ومعايرة الأصوات النقية، ليتمكن فني المكساج من مزجها والانتباه إلى ما يسمى ‘رومينغ’ من الناحية الفيزيائية للمشهد، أي محاكاة الأصوات الأساسية في المشاهد الأصل، سواء في غرفة أو مستودع أو مدرسة أو شارع. وهذا كله نعيد صياغته وتشكيله ومعايرته الصوتية بالمكساج لتبدو طبيعية.”
على صلة دائمة باللغة العربية
الفنان مروان فرحات، صاحب التاريخ الاحترافي الغني (شخصية “ميماتي” في “وادي الذئاب”، وشخصية “يكتا تيلمان” في “القضاء”، وفي الأنميشن شخصية “توغوموري” في “كونان”، وشخصيات باتمان وزورو والكونت ديمونت كريستو وبرين والكابتن ماجد)، حدثنا عما يعنيه له فن الدوبلاج، فقال: “الممثل بصفة عامة يعتمد على عدة أدوات ليقدم الشخصية التي يؤديها بشكل صادق ومقنع. وممثل الدوبلاج يستخدم هذه الأدوات إضافة إلى خصوصية تقنيات الدوبلاج، لأنه يتعامل مع شخصية مجسدة سلفاً، لذلك وجب التعامل مع طبيعتها ومشاعرها. هذا ينطبق على الدراما المصورة، أما الأنمي والكارتون فالوضع مختلف، فالممثل يعتمد على الرسوم في اختيار طريقة الأداء. وكثيراً ما نسمع إطراءً من الجمهور الكريم بأننا أدينا هذه الشخصية أو تلك أفضل من الأصل، إن كان يابانياً أو أمريكياً. لقد منحني فن الدوبلاج إمكانية البقاء على صلة دائمة مع العمل، ومع لغتنا العربية الجميلة، ومع التنوع الكبير في الشخصيات التي أؤديها، خاصة في الأنمي والكرتون.”
تنوع في المواضيع وتعدد في النوعية
عمليات الدوبلاج قديمة في سوريا، بدأت بلغة عربية فصحى ثم تحولت نحو اللهجة السورية، تبعاً لمواضيع معاصرة تتنوع بين رومانسية وإثارة وتشويق وقصص مافيات، مع وجود نجوم ونجمات جميلات. وبالتالي، لا تتناسب اللغة الفصحى مع جمهور الزمن الحالي، رغم بقاء استخدامها في بعض الأعمال التاريخية والدينية.
وحول التنقل بين اللغة واللهجة، أوضح المخرج الراعي: “للأمانة، صار هناك نوع من الاتفاق الضمني لدى معظم شركات الدوبلاج الفنية على أن اللهجة السورية محببة عربياً ومطلوبة، عدا عن أن معظم أصوات الممثلين السوريين معروفة ومشهورة ومألوفة منذ دبلجة أفلام الكرتون للأطفال التي كانت تتم في مركز الزهرة السوري الشهير بدمشق.”
صراع على المال أم تحسين للمهنة؟
بعض الممثلين والممثلات الذين تواصلنا معهم، وفضلوا عدم ذكر أسمائهم، يتأسفون لحالة فن الدوبلاج في سوريا قياساً إلى ما كان عليه قبل عقد من الزمن، سواء لجهة الجو العام الذي كان يجمع فناني الدوبلاج المخضرمين، أو للتنافسية السلبية التي تحكمت بسوق الدوبلاج في السنوات الأخيرة، وصولاً إلى الرأي الذي يتهم بعض فناني الدوبلاج بأنهم يقبلون بأجور بخسة، قللت من قيمتهم الشخصية وقيمة هذا الفن المميز.
فالفنان مروان فرحات يعتقد أن هناك مضاربات سلبية بين الشركات انعكست على أجور الممثلين التي تعتبر زهيدة في الأساس، وهذه المضاربات تتمثل في قبول شركات الدوبلاج أجوراً منخفضة جداً من المنتج الأساسي على دقيقة الدوبلاج، وهذا ينعكس على تفاصيل مهنة الدوبلاج كلها.

مورد رزق واستثمار في الاقتصاد
يرى الممثل إبراهيم عيسى، بخبرته الطويلة في هذا الفن ومن تجربته الغنية في المسرح والسينما، أنه في سنوات الحرب، كان فن الدوبلاج مهنة منقذة ومورد رزق جيد للكثيرين، بدءاً من الفنيين والتقنيين والممثلين إلى أصحاب الاستديوهات ومديري الشركات. أتاح فرص عمل مهمة، وكانت الأجور محددة بأن يكون أجر المشهد الواحد 1.75 دولار، لكن خلال السنتين الأخيرتين نزلت الأجور إلى حوالي 1.25 دولار، بل أصبح سوق صناعة الدوبلاج في هذه الجزئية من دون ضوابط للأسف.
أما المخرج زاهر قصيباتي، مدير شركة آرت هاوس للدوبلاج (وهو ابن الموسيقي سمير قصيباتي، أحد مؤسسي قناة سبيستون)، فرأى أن مساهمة شركات الدوبلاج في الاقتصاد الوطني تتجسد في أن سوق الدوبلاج يضمن فرص عمل لعدد لا يقل عن 150 إلى 200 شخص في كل مسلسل، ما يشكل ضماناً لعائلاتهم أيضاً، لكن كل شركة من شركات الدوبلاج، التي وصل عددها إلى نحو 25 شركة، تدفع بشكل مختلف حسب الممثلين المحترفين، فبعضها يدفع رواتب، وبعضها يدفع أجوراً بحسب طول فترة عمل الممثل مع الشركة.
وأضاف قصيباتي: “نحن موجودون منذ عام 2003، واخترت الاستثمار والاستمرار في هذا المجال لأنه ‘كارنـا’، رغم كل المصاعب والمضاربات من شركات صغيرة جعلت المهنة تكاد تنهار، حدث في مرحلة ما أن تم تشكيل تجمع «صوتنا فن» بتأسيس من الفنان إياس أبو غزالة ودعم من شركة «سامه للإنتاج الفني» لحماية حقوق الفنانين، ولاحقاً تشكل تجمع +«A» وكلاهما تأسس لغايات نبيلة ونوايا حسنة هي تحسين واقع الدوبلاج ومحاربة بعض الشركات التي خفضت أجور الدوبلاج بشكل غير منصف.

وأنهى قصيباتي مداخلته بنوع من الأمنية، إذ قال: «مهنتنا هي صناعة الدراما وإخراج الأفلام وتأليف وإنتاج موسيقا أغاني الأطفال التي لحنها والدي، وأعتبر أن هذا حمل وهدف لي بأن يعود فن الدوبلاج إلى زهوه».
الإنسان يغزو نفسه بنفسه
وعما إذا كانت المسلسلات المدبلجة تشكل تمازجاً حضارياً أم غزواً ثقافياً، أجاب الممثل إبراهيم عيسى بأنه لا يعدها غزواً ثقافياً، فالأخطر برأيه هو الريلز القادم عبر الموبايل من كل أنحاء الكوكب، من دون رقابة ولا تدقيق، وبكل المواضيع، وفي كل وقت.
وأضاف: « أرى أن أغلب المسلسلات، سواء التركية أو الأوروبية أو أمريكا الجنوبية، أضافت لنا، لأن تلك البلاد متطورة في تجاربها قياساً لنا، وكل تجربة توسع آفاقنا هنا، ولا ضير في ذلك، كما أن الصيغ العامة للدوبلاج بدأت تختلف عما سبق، فنحن في زمن الريلز والمايكرودراما القادمة من الصين والهند وكوريا وغيرها، نشتغل عليها بإضافة لهجتنا السورية أو اللغة الفصحى بطريقتنا السورية، وبكامل التدقيق المتقن والشديد، خاصة في أعمال كرتون الأطفال.”
يوماً ما، جعل مسلسل «كاساندرا» شوارع البلد شبه خاوية، لأن الناس كانوا يتسمّرون في بيوتهم أو محلاتهم لمشاهدة الفاتنة الغجرية كاساندرا وحبيبها لويس دافيد. ألا ليت تلك الأيام الهانئة تعود، حين كانت أقصى أمانينا أن نشاهد قبلة بينهما، بدلاً من مشاهدة مسلسلات حروب وصراعات وأحقاد منداحة على وسائل التواصل الاجتماعي، مع “دبلجة” سيئة للمشاعر، من دون أي ملمح من جماليات الدوبلاج.