الحرية – لبنى شاكر:
تتناول الكاتبة الروسية فيكتوريا توكاريوفا في قصتها «الحب والرحلات» حالة سائق تكسي يدعى بروكوشيف، مات في حادث سير أثناء محاولته تفادي عجوز تعبر الشارع، لتصطدم سيارته بحافلة سياحية، بينما تابعت العجوز مسيرها دون أن تلتفت.
وتقول توكاريوفا إن موظفي مرآب سيارات التكسي، وعدداً من الأقارب والأصدقاء، اجتمعوا في يوم تأبين السائق، وتحدثوا عن استقامته والتزامه وكيف مات كالأبطال، غير أن الكاتبة تشير إلى أن الرجل الذي عاش ومات من دون أن يكون لوجوده معنى – حتى بالنسبة له أيضاً – لم يكن ليُبالي بكل ما قيل، ولو علم بأنه سيرحل في ذلك اليوم لما فعل شيئاً، بل ربما سار إلى حتفه بقدميه.
وتصف توكاريوفا اللامبالاة بأنها حالة يعيشها ملايين البشر ممن يمارسون يوميات روتينية مكررة في البيت والعمل، يتوهمون الحب والمغامرة والأحداث المشوقة، فيما تلاحقهم خيبات الأمل والعجز عن تحقيق شيء يستحق الكلام عنه، إلى أن تزول الحياة نفسها بمصادفة عبثية غير متوقعة، وتضيف لا نُبالغ لو قلنا إنها مضحكة، لأن العجوز التي حاول السائق تفاديها تابعت مسيرها بلا أي التفاتة.
لو علِم «بروكوشيف» بأنه سيرحل في ذلك اليوم لما فعل شيئاً بل ربما سار إلى حتفه بقدميه
وتقول توكاريوفا في قصتها على لسان السائق وروحه تفارق جسده: «بسبب إحدى العجائز الموغلة في العمر، التي يبحثون عنها في العالم الآخر حاملين الفوانيس، حطّم سيارة حكومية، وحطّم صدره أيضاً»، هكذا ظل يفكر حتى فقد قدرته على التنفس، وتضيف الكاتبة لم يكن غاضباً بقدر ما كان مغتاظاً، ربما أراد أن يصل إلى إجابة عن السؤال الذي شغله سابقاً.
وتتابع توكاريوفا أن بروكوشيف كان مشغولاً طيلة حياته بأسئلة لم تُحسم: أيهما أفضل زوجته الوفية والبدينة «لوسكا»، أم عاملة التنظيف الجميلة «رايكا»؟ وهل كانت الأخيرة ستخرج معه إلى السينما لولا أنها تزوجت فجأة؟ ومن يدري لو أنها تزوجته هو، لهربت عند أول فرصة، كما يفعل الجواسيس، كما كان يتساءل عن زيارات حماته التي تترك شعرها في المشط والحساء، وابنته التي تمسح يديها بفستانها.
وتروي الكاتبة أنه لم يحدث شيء مما تخيله بروكوشيف طيلة حياته، فأصيب باللامبالاة، إلى درجة توقف فيها عن أخذ البقشيش من الركاب، وعندما غدا كله لامبالاة، لم يعد يخلع ملابسه، وصار ينام بنفس الملابس التي عمل بها طوال النهار، قبل أن تعترض تلك العجوز طريقه لينتهي كل شيء.
وترى توكاريوفا أن الذين وقفوا في تأبين بروكوشيف لم يكونوا يمدحونه هو، بل كانوا يدافعون عن مصيرهم القادم، يريدون أن يطمئنوا بأن قطار الروتين الذي يدهسهم يومياً سينتهي بهم إلى منصة تتويج، ولو كانت وهمية.
لم يحدث شيءٌ مما تخيّله «بروكوشيف» طوال حياته فأُصيب باللامبالاة
وتخلص الكاتبة بقصتها للقول، «أنهم يخشون الاعتراف بالحقيقة: أننا قد نموت لمجرد أن عجوزاً صماء قررت عبور الشارع في اللحظة الخطأ، وأن العالم سيمضي كعادته دون أن يلتفت خلفه».