الحرية_ رشا عيسى:
تختبرُ دمشق مجدداً إمكانية العبور إلى الاقتصاد العالمي من بوابة برلين، حيث تلتقي الحاجة السورية الملحّة للاستثمار مع فائض القوة الاقتصادية لدى ألمانيا.
غير أن هذا التقاطع، على ما يظهر من حيوية في اللقاءات الاقتصادية الأخيرة، لا يزال محكوماً بفجوة بين الرغبة السياسية والجاهزية الداخلية.
وفي توقيت سياسي واقتصادي بالغ الحساسية، يبرز انعقاد المنتدى السوري–الألماني في برلين كإشارة مزدوجة، رسالة انفتاح من دمشق، واختبار لهذه العلاقات سياسياً واقتصادياً . وبين تفاؤل وتحفّظ تتشكل ملامح مركبة لمستقبل هذه العلاقة.
رهان على القوة الألمانية
يختصر مدير غرفة تجارة دمشق الدكتور عامر خربوطلي، أهمية العلاقة مع ألمانيا بكونها “ضرورة اقتصادية” لسوريا. فبرلين، من وجهة نظره، ليست مجرد شريك أوروبي، بل قوة اقتصادية عالمية تمتلك فائضاً مالياً وخبرة صناعية متقدمة، قادرة—إن توفرت الظروف—على دفع عجلة الاستثمار في سوريا.
ويرى خربوطلي في حديث لـ”الحرية” أن المنتدى يشكل منصة لتحريك ملفات متعددة من التعاون التجاري، إلى الشراكات المصرفية والمالية، وصولاً إلى استقطاب استثمارات في قطاعات حيوية تحتاجها البلاد، مثل التكنولوجيا، والصناعات البتروكيميائية، والطاقة المتجددة، وتقنيات إعادة الإعمار.
كما يلفت إلى أهمية الجالية السورية في ألمانيا، التي يمكن أن تلعب دور الوسيط الاقتصادي والاجتماعي.
ولا يغفل خربوطلي الإشارة إلى جاذبية النموذج الألماني القائم على “اقتصاد السوق الاجتماعي”، بما يوفره من توازن بين حرية السوق والحماية الاجتماعية، معتبراً إياه نموذجاً يمكن أن تستفيد منه سوريا في إعادة تشكيل اقتصادها.
نجاح سياسي
على الضفة الأخرى، يقدّم الباحث الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس رأياً أكثر تحفظاً. فهو يعتبر انعقاد المنتدى بحد ذاته “نجاحاً دبلوماسياً”، لكنه يضع سقفاً ليس مرتفعاً لتوقعاته الاقتصادية.
ويشرح الجاموس لـ”الحرية”الفكرة بلغة الاقتصاد، بأن ما يجري اليوم يعكس “رغبة” في التعاون، لكنه لا يرقى بعد إلى “طلب فعّال”. فالأخير، كما يقول، يحتاج إلى توافر عنصرين، هماالرغبة والقدرة. وفي الحالة السورية، تبدو القدرة—أي البيئة الجاذبة للاستثمار—غائبة أو غير مكتملة.
بيئة غير جاذبة
المشكلة بحسب الجاموس، ليست في الطرف الألماني، بل في الداخل السوري. فالمستثمر—خصوصاً الألماني—لا يتحرك بدافع النوايا، بل وفق حسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والعوائد. وهنا تبرز مجموعة من الثغرات، منها غياب بيئة قانونية واضحة، ضعف البنية التحتية، هشاشة القطاع المالي، وانعدام هوية اقتصادية محددة.
ويضيف أن أي استثمار أجنبي، سواء كان ألمانياً أو غيره، يحتاج إلى شريك محلي فاعل، وقطاع مصرفي وتأميني قادر على توفير الضمانات، إضافة إلى شبكة نقل وخدمات متكاملة وهي عناصر لا تزال، في نظره، قيد الغياب.
رمزية تتقدم على الوقائع
في ضوء ذلك، يميل الجاموس إلى اعتبار هذه اللقاءات أقرب إلى “إظهار حسن نية” منها إلى بداية فعلية لتدفق الاستثمارات. قد تثمر هذه اللقاءات عن مساعدات تقنية، أو مشاريع صغيرة، أو استشارات—أي حلول “إسعافية” أكثر منها استثمارات استراتيجية.
ومع ذلك، لا ينفي أن هذه الخطوات قد تفتح الباب، على المدى الطويل أمام دور ألماني أوسع، شرط أن تتمكن سوريا من تحسين بيئتها الاستثمارية.
قطاعات واعدة
يتفق الطرفان، رغم اختلاف المقاربة، على أن مجالات التعاون المحتملة واسعة. فالألمان يمتلكون خبرات متقدمة في الطاقة المتجددة، والصناعة، والزراعة، والرعاية الصحية—وهي قطاعات تعاني سوريا من فجوات كبيرة فيها.
ويشير الجاموس إلى أن قطاع الطاقة، ولا سيما الكهرباء، يمثل أولوية قصوى، إلى جانب القطاع الصناعي الذي يمكن أن يستفيد من نقل التكنولوجيا، وربما من مشاريع تجميع صناعي تستهدف التصدير. كما يطرح إمكانية الاستفادة من انخفاض كلفة العمالة في سوريا لجذب استثمارات موجهة للأسواق الخارجية.
نموذج ألماني
يبقى النموذج الاقتصادي الألماني—القائم على الجودة والتنافسية ضمن إطار من العدالة الاجتماعية—حاضراً في النقاش. غير أن استنساخه في سوريا يبدو مهمة ليست سهلة، في ظل واقع اقتصادي مختلف، تحكمه اعتبارات الكلفة والقدرة الشرائية أكثر من معايير الجودة.
طريق طويل
يقوم الاقتصاد الألماني على نموذج “اقتصاد السوق الاجتماعي”، الذي يوازن بين حرية السوق ودور الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية. وتُعد الصناعة حجر الأساس في هذا النموذج، حيث تقود شركات كبرى مثل “فولكسفاغن” و”سيمنز” قطاعات حيوية تمتد من صناعة السيارات إلى التكنولوجيا المتقدمة. غير أن القوة الحقيقية لا تكمن فقط في هذه الشركات العملاقة، بل في شبكة الشركات الصغيرة والمتوسطة، المعروفة بـ“الـMittelstand”، والتي تشكّل العمود الفقري للإنتاج والتوظيف.
هذه النقطة تحديداً تحمل دلالة مهمة للحالة السورية، حيث تضررت البنية الإنتاجية بشكل كبير خلال السنوات الماضية، وأصبح الاعتماد على المشاريع الصغيرة ضرورة ملحّة. إلا أن التحدي لا يكمن في حجم هذه المشاريع بقدر ما يتعلق بالبيئة الداعمة لها، ففي ألمانيا، تحظى هذه الشركات بإمكانية الوصول إلى التمويل والتدريب والأسواق.
رغبة بالتقارب
شهدت العلاقات الاقتصادية بين سوريا وألمانيا خلال عام 2026 تحولات لافتة، تعكس انتقالًا تدريجياً من مرحلة الجمود والعزلة إلى مرحلة بناء قنوات تعاون جديدة، خصوصا في المجالين المالي والاستثماري.
و أبرز التطورات كانت في التوصل إلى اتفاق بين مصرف سوريا المركزي ونظيره الألماني لبدء تطبيع العلاقات المصرفية، بما في ذلك فتح حساب رسمي للمركزي في ألمانيا. وتُعد هذه الخطوة مفصلية، لأنها تمهّد لإعادة ربط النظام المالي السوري بالمؤسسات الأوروبية والدولية.