الحرية – جهاد اصطيف:
بعد الزيادة الكبيرة في أسعار الكهرباء التي شهدتها سوريا في الآونة الأخيرة، يترقب المواطن السوري ما إذا كانت الحكومة ستتخذ خطوة لتخفيضها مرة أخرى، وقد طرح هذا الموضوع في العديد من الأوساط الاقتصادية والشعبية، حيث يرى البعض في هذا الإجراء حلاً جزئياً في مواجهة الأزمة المعيشية المتفاقمة، بينما يعتقد آخرون أن المشكلة أعمق من مجرد تخفيض أسعار الخدمات.
جزء من منظومة أكبر
منذ فترة، رفعت الحكومة السورية أسعار الكهرباء بشكل غير مسبوق، ما أثار قلق الكثير من المواطنين، في حين انتظر البعض تخفيضات قد تعيد بعض الأمل في حياتهم اليومية، ولا يزال الكثيرون يعتقدون أن التحديات الاقتصادية الأساسية لا تتعلق فقط بتكلفة الكهرباء، بل بخلل عميق في النظام الاقتصادي ككل.
يقول الخبير الاقتصادي فادي حمود خلال حديثه لـ” الحرية ” إن زيادة أسعار الكهرباء كانت بمثابة “صدمة قوية للمواطن السوري “، ولكن حتى إذا خفضت الحكومة الأسعار، لن يكون ذلك كافياً لتحسين الوضع الاقتصادي، فهناك تحديات أكبر تتعلق بالبطالة، وارتفاع الأسعار، وضعف الإنتاج المحلي، لتبقى المشكلة في سوريا أكبر من مجرد فاتورة الكهرباء.
الواقع الميداني
وعلى هامش مؤتمر الاقتصاد وإدارة التنمية في مرحلة إعادة الإعمار الذي عقد في جامعة حلب أوضح الدكتور فؤاد اسماعيل الأستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة حلب أن الأرقام الصادرة عن جهات اقتصادية دولية أهمها البنك الدولي تشير إلى أن الانخفاض في الناتج المحلي الإجمالي لسوريا بلغ حوالي 60% منذ بداية الحرب في 2011، مؤكداً أن التضخم في سوريا لعام 2023 بنحو 150%، ما يعني أن الأسعار تتضاعف بشكل متسارع، مما يزيد من المعاناة اليومية للمواطن، وإذا أضفنا أن متوسط الدخل الشهري للفرد السوري حالياً يبلغ أكثر من 100 دولار أمريكي بقليل، فهو لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية وسط ارتفاع الأسعار، فضلاً عن أن التقارير تشير إلى أن 50% من السوريين عاطلون عن العمل، وهو ما يشكل ضغطاً كبيراً على الأسر.
هل سيشعر المواطن بتحسن إذا خفضت الكهرباء؟
أجرت “الحرية” استطلاعاً ميدانياً لمعرفة رأي المواطنين حول تأثير تخفيض سعر الكهرباء إذا تم تطبيقه.
أحمد اصطيفي موظف حكومي، يقول : الكهرباء في حياتنا أصبحت ضرورة، لكن حتى إذا تم تخفيض السعر، فإن دخلي لا يكفي لتغطية احتياجات عائلتي، خصوصاً أن الأسعار الأخرى لا تتوقف عن الارتفاع، ونحن نواجه مشاكل أكبر مثل الطعام والدواء، ويردف: المشكلة في سوريا لا تكمن في سعر الكهرباء فقط، بل في القدرة الشرائية العامة.
صفاء عبد الكريم ربة منزل، تضيف: خدمة الكهرباء متقطعة، وإذا خفضت الأسعار اليوم، لن نشعر بأي فارق إذا استمرت الانقطاعات اليومية، ولا أعتقد أن تخفيض الكهرباء سيكون كافياً لتغيير الوضع، نحن بحاجة إلى زيادة في الأجور وتنظيم السوق.
ما هو المطلوب؟
يرى الخبراء الاقتصاديون أن تحسين الوضع المعيشي في سوريا يحتاج إلى مجموعة من الإجراءات الجذرية، وليس فقط معالجة مشكلة الكهرباء.
وهنا يؤكد الخبير حمود أن الحلول الجزئية مثل تخفيض سعر الكهرباء يمكن أن تساعد قليلاً في تخفيف الأعباء، ولكن الحل الحقيقي يكمن في تحسين الدخل الحقيقي للمواطن، والذي يتطلب زيادة الأجور وتوفير فرص عمل مستدامة، بالإضافة إلى تقوية القطاع الإنتاجي المحلي، فسوريا تحتاج إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية وتفعيل الصناعة الوطنية.
ويضيف : من الضروري أن تستمر الحكومة بتحسين استقرار الخدمة الكهربائية، لأن الانقطاع المستمر في التيار يؤثر على كل جوانب الحياة اليومية، لكن يجب أن يأتي ذلك إلى جانب إصلاحات واسعة النطاق في النظام الضريبي، وتحسين النظام الإداري، ومحاربة الفساد.
ماذا سيحدث إذا خفضت الحكومة الكهرباء؟
إذا قررت الحكومة خفض أسعار الكهرباء، ستكون خطوة قد تنعش الوضع في المدى القصير، لكن في المدى الطويل، ستظل الأزمة الاقتصادية قائمة ما لم تتخذ خطوات أوسع لتحفيز الاقتصاد، مثل تحسين الإنتاج المحلي، وخلق فرص عمل، وتنظيم الأسواق.
ويرى الخبير حمود أنه إذا تم تخفيض الكهرباء دون أن يتم تحسين مستويات الدخل الحقيقي وتوفير فرص العمل، سيظل المواطن يعاني من نفس الوضع، وهنا يجب التركيز على تحسين البيئة الاستثمارية لجذب المستثمرين، والعمل على تقوية الإنتاج المحلي.