٪71  تحت خط الحرمان المركّب.. دراسة ميدانية تكشف الفقر متعدد الأبعاد في حلب 

مدة القراءة 9 دقيقة/دقائق

الحرية – حسن العجيلي:

لم يعد الفقر مجرد نقص في الدخل أو القدرة على تأمين الغذاء، بل أصبح ظاهرة أوسع تمتد إلى التعليم والصحة والسكن وفرص العمل والحماية الاجتماعية، فالأسر التي عادت إلى أحيائها المدمرة تجد نفسها أمام تحديات إعادة بناء الحياة قبل إعادة بناء الجدران، مدارس تعمل بإمكانات محدودة وخدمات صحية غير مستقرة وبنية اقتصادية ما تزال تبحث عن طريقها نحو التعافي.

وفي ظل بدء الحديث عن مرحلة إعادة الإعمار، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن إعادة بناء مدينة دون فهمٍ دقيق لطبيعة الفقر الذي يعيشه سكانها؟ خاصة في مدينة مثل حلب التي كانت يوماً القلب الصناعي والاقتصادي لسوريا، حيث تواجه الكثير من الأسر اليوم واقعاً اجتماعياً واقتصادياً مركباً تتداخل فيه البطالة مع تراجع الخدمات الأساسية، وارتفاع تكاليف المعيشة مع هشاشة مصادر الدخل، لتتشكل ملامح ما يُعرف بـ “الفقر متعدد الأبعاد”.

التعليم والصحة في صدارة مؤشرات الفقر..

كشفت الأستاذة في كلية الاقتصاد بجامعة حلب ومديرة وحدة ضمان الجودة في الكلية الدكتورة نور الحميدي خلال حديثها لـصحيفة “الحرية” أن نسبة الفقر بلغت 71 بالمئة وفق دراسة أجرتها مؤخراً في مدينة حلب على عينة شملت 500 عائلة، منها 355 أسرة تعاني من الفقر متعدد الأبعاد، مضيفة إن النتائج بيّنت أن أعلى درجات الحرمان لدى الأسر الفقيرة متعدد الأبعاد تركزت في الحاجات الاجتماعية، ولا سيما التعليم والصحة تلتها الحاجات الاقتصادية، بينما جاء الحرمان المرتبط بالمسكن في المرتبة الأخيرة ضمن مستوى الحرمان المنخفض.

وتعزو الدكتورة حميدي هذه النسبة المرتفعة إلى تراكم عوامل متعددة، من بينها عوامل اقتصادية كدمار سبل العيش وانهيار العملة وانخفاض الأجور الحقيقية، وعوامل اجتماعية مرتبطة بالنزوح وتفكك النسيج الاجتماعي، إضافة إلى تدهور الأحياء وتراجع مستوى الخدمات، ولا سيما في مناطق سكن الفقراء والنازحين نتيجة تدمير البنية التحتية منذ منتصف عام 2011 وما تلاه من ظروف معيشية قاسية.

الفقر لا يتعلق بالدخل فقط

وترى الدكتورة الحميدي أن اختزال الفقر في مستوى الدخل وحده لا يعكس صورته الحقيقية والكاملة، فالفرد قد لا يكون فقيراً مالياً لكنه يعيش حرماناً عميقاً في التعليم أو السكن أو الصحة، مشيرة إلى أنه من الأمثلة الواقعية أسرة لا تعاني ضائقة مالية حادة إلا أن أطفالها خارج مقاعد الدراسة ولا تتوافر في منزلها مياه صالحة للشرب كما يفتقر أفرادها إلى الرعاية الطبية عند الحاجة، مشيرة إلى أنه وبحسب تصنيف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية OPHI في جامعة أكسفورد، فإن هذه الأسرة تعد ضمن حالات الفقر متعدد الأبعاد Multidimensional Poverty، حيث أظهرت إحصائية صادرة عام 2024 أن ملياراً ومليون شخص حول العالم، موزعين على أكثر من 112 دولة، يعانون هذا النوع من الفقر.

العلاقة بين التعافي الاقتصادي والواقع الاجتماعي

وبالعودة إلى البحث الميداني توضح الدكتورة نور الحميدي أن مشكلة بحثها انطلقت من واقع مدينة حلب التي عانت خلال سنوات الدمار الهائل من اتساع رقعة الفقر والحرمان من الحاجات الأساسية المرتبطة بالمسكن، إضافة إلى مظاهر الحرمان الاجتماعي والاقتصادي، وقد تزامنت تلك الظروف مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية وضعف الإنتاج، فيما شكل غياب خطة واضحة لمكافحة الفقر عائقاً كبيراً أمام مسار التنمية البشرية، خاصة أن حجم الدمار خلف آثاراً بشرية واجتماعية واقتصادية عميقة داخل المجتمع السكاني، الأمر الذي عزز الحاجة إلى تشخيص واقع الفقر متعدد الأبعاد بدقة واقتراح خطة تدخل تحدّ من انتشاره.

حجم العينة ومنهجية البحث

وفي عرضها لمنهجية العمل تشير الدكتورة الحميدي إلى اعتماد المنهج الوصفي لتوصيف ظاهرة الفقر متعدد الأبعاد والمتغيرات المرتبطة بها، من خلال تصميم استبيان لقياس الحاجات الأساسية ومستوى الحرمان منها، وقد تم توزيع الاستبيان على عينة عشوائية طبقية مؤلفة من 500 أسرة تقيم في 62 حياً بمدينة حلب، وتكونت العينة من طبقتين الأولى ضمت 290 أسرة بنسبة 58 بالمئة من العينة وتسكن في 36 حياً مدمراً أو شبه مدمر، بينما شملت الطبقة الثانية 210 أسر بنسبة 42 بالمئة تقطن في الأحياء غير المدمرة وعددها 26 حياً.

وتتابع الدكتورة الحميدي: بني الاستبيان على أربعة محاور رئيسة إذ تناول محور المتغيرات الديموغرافية أسئلة تتعلق بمكان المسكن وخصائص رب الأسرة من حيث الجنس والعمر والحالة الاجتماعية والمستوى التعليمي والعمل وحجم الأسرة، أما محور الحاجات الأساسية المرتبطة بالمسكن فقد تضمن أسئلة حول طبيعة المسكن ونوع ملكيته وحالته، وحصة الفرد من الغرف وتوفر المطبخ والحمام والمرحاض ووسيلة التدفئة الرئيسة ومصدر مياه الشرب والوقود المستخدم في المطبخ وتوفر شبكات الصرف الصحي، إضافة إلى بعد المسكن عن أقرب مدرسة تعليم أساسي وطريق معبد ومركز صحي ومحل تجاري.

الحاجات الاجتماعية الأكثر تضرراً

وفي محور الحاجات الأساسية الاجتماعية أوضحت الدكتورة الحميدي أن الأسئلة شملت جانب التعليم من حيث أعلى مستوى تعليمي داخل الأسرة وتوفر الروضات والمعاهد التعليمية ووجود مدرسة أو أكثر ضمن منطقة السكن، إلى جانب محور الصحة الذي تناول الرعاية الصحية أثناء الحمل ومعالجة أفراد الأسرة، كما تناول محور الحاجات الأساسية الاقتصادية عدد المشتغلين داخل الأسرة، ومدى توفر السلع الأساسية المعمرة، وإمكانية القيام بنزهات، ووجود مصدر دخل إضافي، مشيرة إلى أنه تم تقسيم مستويات الحرمان إلى خمس درجات هي: حرمان شديد، حرمان، حرمان متوسط، حرمان منخفض، ولا يوجد حرمان. وبناءً على ذلك جرى تصنيف الأسر إلى فئتين: أسر تعاني من فقر متعدد الأبعاد، وأسر لا تعاني منه.

وتشير الدكتورة الحميدي إلى أن فرضيات البحث خضعت لاختبارات إحصائية باستخدام أساليب مناسبة، حيث أظهرت النتائج تساوي متوسط مستوى الحرمان من الحاجات الأساسية لدى الأسر التي تعاني من الفقر متعدد الأبعاد تبعاً لجنس رب الأسرة وعمره وحالته الاجتماعية وعمله وحالة الحي الذي تقطنه الأسرة، في حين ظهر اختلاف واضح تبعاً للمستوى التعليمي لرب الأسرة وحجم الأسرة.

الأسر الأكثر هشاشة

ولفتت الدكتور الحميدي إلى أن النتائج أظهرت  أن الفئات الأكثر هشاشة والأشد حرماناً تمثلت في الأسر التي ترأسها أنثى والأسر التي يبلغ عمر رب الأسرة 60 عاماً  فأكثر والأسر التي رب أسرتها متزوج والأسر التي يعمل ربها موظفاً والأسر التي لا يتجاوز المستوى التعليمي لربها المرحلة الثانوية، والأسر الكبيرة الحجم، إضافة إلى الأسر المقيمة في الأحياء المدمرة وشبه المدمرة.

رؤية متكاملة للحد من الفقر متعدد الأبعاد..

وبيّنت الدكتورة الحميدي أن البحث انتهى باقتراح خطة متكاملة تضم رؤية وأهدافاً وبنوداً قصيرة ومتوسطة المدى، وأخرى طويلة المدى قائمة على الاستدامة، إلى جانب آليات تنفيذية واضحة ونتائج متوقعة، وذلك بهدف الحد من ظاهرة الفقر متعدد الأبعاد في مدينة حلب ودعم الأسر الأكثر هشاشة وتضرراً.

الدعم الاجتماعي والبنية التحتية مفتاح التعافي

وفيما يتعلق بالتوصيات تؤكد الدكتورة نور الحميدي ضرورة تحديد أسباب ارتفاع نسبة الأسر الفقيرة في مدينة حلب لوضع إجراءات حكومية فاعلة لمعالجة الفقر، مع أهمية مراعاة المتغيرين الديموغرافيين المتمثلين في المستوى التعليمي لرب الأسرة وحجم الأسرة عند تصميم برامج الدعم الاجتماعي بما يسهم في خفض الحرمان من الحاجات الأساسية والحد من الفقر، مشددة على أهمية تطوير البنية التحتية من طرق ومرافق عامة وخدمات أساسية عبر تسريع خطوات إعادة بناء المباني والمنشآت المتضررة، إضافة إلى دعم المشروعات الأسرية وتقديم التسهيلات اللازمة لإقامتها لما توفره من فرص عمل قادرة على تخفيف حدة الفقر متعدد الأبعاد.

وتؤكد الدكتورة نور الحميدي ضرورة تبنّي نتائج البحث والخطة المقترحة من قبل صناع القرار للتدخل الفعّال والحد من الفقر متعدد الأبعاد، بما يسهم في النهوض بمدينة حلب والاستفادة من التجربة على مستوى سورية مستقبلاً.

بناء شراكات اقتصادية واجتماعية

وختمت الدكتورة الحميدي بالقول: إن الخطة المقترحة تسعى إلى الانتقال من مرحلة الإغاثة إلى التنمية المستدامة عبر إصلاحات اقتصادية عميقة، وإعادة هيكلة القطاعات الإنتاجية، وبناء شراكات فاعلة تدعم المواطنين وتحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتحول التحديات القائمة إلى فرصة لبناء نظام اقتصادي واجتماعي أكثر عدالة ومرونة، وصولاً إلى تحقيق رؤية متكاملة لمدينة حلب وسوريا الجديدة في مرحلة إعادة الإعمار.

تصوير _ صهيب عمراية

Leave a Comment
آخر الأخبار