الحرية – بادية ونوس:
تعتبر حوالات المغتربين السوريين شرياناً يمد الأسر بالحياة ويدفع عجلة الأسواق إلى الدوران وهو ركيزة هامه من الركائز المالية التي يعتمد عليها الاقتصاد السوري خاصة خلال السنوات الأخيرة، وذلك مع تراجع مستويات الإنتاج المحلي، وضعف القدرة الشرائية وانخفاض قيمة الرواتب مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي هذا الملف، كان لـ«لحرية» حديث مع الخبير الاقتصادي مهند الزنبركجي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر استعرضنا خلاله أثر هذه الحوالات على الاقتصاد والاستهلاك جوالاستقرار المعيشي، ونقرأ وجهي العملة: إنعاش مؤقت أم فجوة هيكلية، إذ أكد أن قيمة الحوالات المالية القادمة من السوريين المقيمين في الخارج ترتفع بشكل ملحوظ مع كل موسم عيد، سواء عيد الفطر أو عيد الأضحى، إذ يسعى المغتربون إلى دعم عائلاتهم ومساعدتهم على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة وتأمين مستلزمات العيد لهذا تحولت الحوالات إلى عنصر اقتصادي واجتماعي مؤثر ليس فقط على مستوى الأسرة، بل أيضاً على مستوى حركة الأسواق والاستقرار المالي داخل سوريا.
250 مليون دولار
وحسب الزنبركجي تبلغ تقديرات قيمة الحوالات السنوية إلى سوريا بين 1.5 و3 مليارات دولار سنوياً، وهي كبيرة مقارنة بحجم النشاط الاقتصادي المحلي الحالي، كما ترتفع الحوالات خلال مواسم الأعياد بنسبة تتراوح بين 20 و30% مقارنة بالأشهر العادية، نتيجة زيادة الطلب على الإنفاق العائلي والاجتماعي، إذا افترضنا أن متوسط الحوالات الشهرية يبلغ نحو 150 إلى 200 مليون دولار، فإن هذا الرقم قد يرتفع في فترات الأعياد إلى أكثر من 250 مليون دولار خلال فترة قصيرة، ما ينعكس مباشرة على حركة الأسواق والسيولة المالية.
تحريك الاقتصاد
ويتابع الخبير الاقتصادي بالقول، تؤدي هذه الحوالات دوراً مهماً في تحريك الدورة الاقتصادية الداخلية، لأن الجزء الأكبر من الأموال المحولة يستخدم مباشرة في الاستهلاك اليومي. ووفق الخبير الاقتصادي زنبركجي، عندما تتلقى الأسر السورية الأموال من الخارج، فإنها تنفقها على شراء المواد الغذائية والملابس وتسديد الالتزامات المنزلية وغيرها، إضافة إلى دفع تكاليف العلاج والتعليم والإيجارات. بالتالي، ينعكس هذا الإنفاق فوراً على الأسواق التجارية، حيث ترتفع حركة البيع والشراء لفترة مؤقتة، خاصة في المدن والأسواق الشعبية التي تعتمد بشكل كبير على الاستهلاك الموسمي.
وأضاف الاقتصادي الزنبركجي أنه يظهر هذا التأثير بشكل واضح قبل الأعياد، حيث تشهد محال الألبسة والحلويات والمواد الغذائية ازدحاماً أكبر مقارنة بالأيام العادية، فالتاجر الذي يعاني من ضعف المبيعات طوال أشهر قد يحقق خلال موسم العيد جزءاً مهماً من دخله السنوي بفضل الحوالات القادمة من الخارج، كما أن الأموال التي تصرف في الأسواق لا تتوقف عند المستهلك والتاجر فقط، بل تنتقل إلى قطاعات أخرى مرتبطة بالنقل والتوزيع والإنتاج والخدمات، ما يخلق حركة اقتصادية أوسع داخل السوق المحلية.
دعم استقرار الصرف
وأكد الزنبركجي أيضاً أن الحوالات تساهم في زيادة حجم السيولة النقدية داخل الاقتصاد السوري، إذ تدخل العملات الأجنبية مثل الدولار واليورو إلى البلاد بشكل مستمر عبر شركات التحويل أو السوق المالية، وبالتالي، يخفف هذا التدفق النقدي جزئياً من نقص القطع الأجنبي ويساعد على دعم استقرار سعر صرف الليرة السورية، ولو بشكل نسبي ومؤقت، ففي الفترات التي ترتفع فيها الحوالات، يزداد عرض الدولار في السوق المحلية، ما قد يحد من ارتفاع سعر الصرف أو يخفف من سرعة تدهور العملة المحلية، لهذا أصبحت الحوالات مصدراً أساسياً للعملات الأجنبية، خاصة مع تراجع الصادرات والسياحة والاستثمارات الخارجية.
دعم الأسر السورية
وحسب الباحث الاقتصادي الزنبركجي فإن حوالات المغتربين تلعب دوراً بالغ الأهمية في دعم الأسر السورية وتحسين قدرتها على التكيف مع الظروف الاقتصادية الصعبة. مشيراً إلى أن متوسط الرواتب في سوريا لم يعد قادراً على تغطية الاحتياجات الأساسية لمعظم العائلات، في حين تعتمد شريحة واسعة من الأسر بشكل جزئي أو كامل على الأموال القادمة من الخارج.
وأشار إلى أنه في كثير من الأحيان، أصبحت الحوالة الشهرية تشكل المصدر الحقيقي للإنفاق الأسري، بينما يستخدم الراتب المحلي لتغطية جزء محدود فقط من المصاريف، لذلك، تكتسب الحوالات بعداً اجتماعياً ونفسياً إضافياً في مواسم الأعياد، لأنها تساعد الأسر على الحفاظ على بعض المظاهر الاجتماعية المرتبطة بالعيد مثل شراء الملابس للأطفال وتحضير الحلويات واستقبال الضيوف وتقديم العيديات، موضحاً أن هذه التفاصيل تساهم ، رغم بساطتها، في تخفيف الضغوط النفسية الناتجة عن الأزمة الاقتصادية وتعزز شعور العائلات بالاستقرار والقدرة على المشاركة في الحياة الاجتماعية بشكل طبيعي نسبياً. كما تعكس الحوالات استمرار الترابط العائلي بين السوريين في الخارج وذويهم داخل البلاد، حيث أصبحت تشكل نوعاً من التضامن الاقتصادي والاجتماعي بين أفراد الأسرة الواحدة.
فجوة كبيرة
بموازاة ذلك يبين الخبير زنبركجي أنه رغم كل هذه الآثار الإيجابية، فإن الاعتماد المتزايد على الحوالات يكشف في الوقت نفسه عن ضعف البنية الاقتصادية الداخلية، ففي الاقتصاد القوي يعتمد عادة على الإنتاج والتصدير والاستثمار وخلق فرص العمل، بينما يشير الاعتماد الواسع على الأموال الخارجية إلى وجود فجوة كبيرة بين الدخل المحلي وتكاليف الحياة.
كما أن الجزء الأكبر من الحوالات يستخدم في الاستهلاك المباشر وليس في الاستثمار الإنتاجي، ما يعني أن تأثيرها الاقتصادي غالباً ما يكون قصير الأجل ومتركزاً في تنشيط الأسواق الاستهلاكية أكثر من دعم التنمية المستدامة.
صمام أمان
وختم زنبركجي بقوله: إن ارتفاع الاعتماد على الحوالات يجعل الاقتصاد المحلي أكثر حساسية للتغيرات الخارجية، لأن أي تراجع في دخول المغتربين أو القيود على التحويلات المالية قد يؤثر مباشرة على مستوى معيشة آلاف الأسر وحركة الأسواق الداخلية.
ومع ذلك، تبقى الحوالات في الظروف الحالية بمثابة صمام أمان اقتصادي واجتماعي، إذ تساعد على تخفيف حدة الفقر وتحريك الأسواق وتأمين تدفق مستمر للعملات الأجنبية في ظل الأزمات الاقتصادية المستمرة.