الحرية – باسمة اسماعيل:
باتت الصيدليات في محافظة اللاذقية الوجهة الأولى لكثير من المواطنين، ولاسيما في الأرياف، للحصول على الأدوية والاستشارات العلاجية السريعة، في ظل الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع تكاليف المعاينات الطبية،
الأمر الذي خلق حالة من التباين في الآراء بين مؤيد لهذا التوجه باعتباره ضرورة حياتية، وبين مَن يراه ممارسة تحمل مخاطر صحية وتتطلب ضبطاً أكبر.
ولا يقتصر الجدل على مسألة صرف الأدوية من دون وصفة طبية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى اختلاف أسعار الأدوية بين الصيدليات، وتفاوت التزام الصيادلة بالقوانين الناظمة للمهنة، وسط تأكيدات رسمية باستمرار الرقابة وتشديد العقوبات بحق المخالفين.
اللجوء.. ضرورة فرضتها الظروف
المواطنة فاطمة وفي حديثها لـ«الحرية»، بينت أن الوصول إلى الطبيب في الأرياف ليس سهلاً، لذلك يصبح الصيدلي الخيار الأسرع لتأمين الدواء.. بينما أشار فجر أبو علي إلى أنه اعتاد على أدوية معينة لعلاج الصداع والحساسية وآلام المعدة، ما يدفعه لطلبها مباشرة من الصيدلية من دون مراجعة الطبيب في كل مرة.
أما السيدة فاتن، فأكدت أن الخبرة المتراكمة لدى الأمهات في التعامل مع بعض الحالات البسيطة لدى الأطفال، كارتفاع الحرارة أو الإقياء..الخ، جعلتهن يعتمدن على الصيدليات لتأمين العلاج الأولي، مضيفة أن الظروف الاقتصادية الصعبة لم تعد تسمح لكثير من الأسر بتحمل أجور المعاينات الطبية.
واتفق عدد ممن تحدثوا لـ«الحرية» على أن الحل لا يكون بتشديد الرقابة على الصيدليات، وإنما عبر تعزيز الخدمات الصحية وتفعيل المراكز الطبية والنقاط الصحية، خاصة في المناطق الريفية، لتخفيف العبء عن المواطنين.
وجود وصفة طبية ضروري
في المقابل، رأى مواطنون آخرون أن صرف الأدوية يجب أن يبقى محصوراً بالوصفات الطبية حماية لصحة المرضى.
حيث قالت سمر: إنها ترفض تناول أي دواء من دون وصفة طبيب، معتبرة أن التشخيص الذاتي قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة.
بدوره، أشار محمد إلى أن بعض الصيدليات يعتمد على متدربين أو أشخاص غير مختصين، ما يجعل وجود وصفة طبية أمراً ضرورياً لتجنب الأخطاء الدوائية أو صرف علاجات غير مناسبة.
الصيادلة.. بين الالتزام والمرونة والتجاوز
عدد من أصحاب الصيدليات أوضحوا لـ«الحرية» أن ممارسات الصيادلة تختلف بحسب نوع الدواء والحالة المرضية، فهناك مَن يرفض صرف أي دواء من دون وصفة طبية التزاماً بالقوانين، في حين يلجأ آخرون إلى تقديم أدوية للحالات البسيطة مثل الرشح والحساسية والصداع..الخ، باعتبارها حالات شائعة لا تستدعي دائماً مراجعة الطبيب.
وأكد الصيادلة بحديثهم أن الأدوية النفسية والمهدئات تخضع لرقابة صارمة، ولا يتم صرفها إلا بموجب وصفات نظامية، إلا أنهم أشاروا في الوقت ذاته إلى وجود بعض الصيدليات تقوم ببيع هذه الأدوية بطرق غير قانونية سعياً وراء الربح، مستفيدة من الحصول عليها عبر قنوات غير شرعية.
تفاوت في الأسعار
وفيما يتعلق بأسعار الأدوية، رأى بعض المواطنين أن هناك تفاوتاً واضحاً بين الصيدليات، بينما أكد صيادلة أن الأسعار تخضع لهوامش ربح محددة من وزارة الصحة تتراوح بين 15 و25 بالمئة، وأن الاختلاف يرتبط أحياناً بسياسة كل صيدلية في اعتماد الحد الأدنى أو الأعلى من هامش الربح.
كما أوضح بعض الصيادلة أن بعض المستودعات تفرض على الصيدليات شراء أدوية بطيئة التصريف مقابل الحصول على أدوية مطلوبة، الأمر الذي ينعكس على حركة البيع والربحية داخل الصيدليات.
الرقابة الدوائية: عقوبات تصل حد التشميع
من جهتها، أكدت مسؤولة الرقابة الدوائية في مديرية صحة اللاذقية الدكتورة عفراء ماوردي في حديثها لـ “الحرية” أن قيام بعض الصيدليات ببيع بعض الأدوية من دون وصفة لعدم قدرة المرضى على مراجعة الطبيب، منافٍ التعاليم الوزارية، مشيرة إلى وجود العديد من المراكز الصحية في المدينة والأرياف يستطيع المواطن مراجعة طبيب المركز لفحصها والحصول على الوصفة الطبية، بالإضافة لبعض الأدوية الموجودة في المركز.
ونوهت ماوردي بأن الأدوية النفسية والمهدئات تخضع لرقابة شديدة من دائرة الرقابة الدوائية نظراً لخطورته، حيث يتم مراقبة استجرار وبيع المستودعات والصيدليات لهذه الأدوية، والتأكد من ختم دفاتر الصيادلة الخاصة بهذه الأدوية، ووجود وصفات طبية نظامية لبيعها، وفي حال مخالفة هذه الشروط يتم ردعها بعقوبات متعددة تصل إلى تشميع الصيدلية.
وأوضحت أن الآلية المتبعة في الجولات التفتيشية، مراقبة الشروط الفنية والصحية، وآلية استجرار وصرف الأدوية النفسية، ومتابعة الأدوية غير النظامية، وسحب الأدوية التي صدر بحقها تعمييم سحب وإتلاف من الوزارة، ومتابعة تواجد الصيدلي على رأس عمله، وهذه الجولات تشمل كافة الصيدليات في المدينة والريف، موزعة على جولات دورية لدائرة الرقابة الدوائية.
ولفتت ماوردي إلى تسجيل العديد من الحالات المخالفة للأنظمة والقوانين المتبعة منذ بداية العام، أما الإجراءات بحق المخالفين فهي متعددة، (إحالة إلى مجلس تأديب يرأسه قاضي، غرامات مالية، مصادرة الأدوية غير النظامية، تسميه الصيدلية).
وأكدت أن أسعار الأدوية محددة من قبل وزارة الصحة، ولا يحق لأي صيدلي أن يغير سعر الدواء بشكل شخصي، وإلا فإنه سيتعرض للعقوبة.
أما بالنسبة لتحميل المستودعات بعض الأدوية للصيادلة فهو مخالف للقوانين، مشيرة إلى أن أي شكوى سيتم التحقق منها سيتم فرض عقوبات على المستودع، بدءاً بغرامة مالية وانتهاء بتشميع المستودع المخالف.
مشهد متشابك
يبقى واقع الصيدليات في اللاذقية مشهداً متشابكاً، بين حاجة المواطنين إلى الحصول على العلاج بسرعة وبأقل تكلفة ممكنة، وبين ضرورة الالتزام بالقوانين الناظمة للمهنة وحماية الصحة العامة.
وفي ظل هذا التداخل، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز الخدمات الصحية وتوسيع الوصول إلى المراكز الطبية، بالتوازي مع استمرار الرقابة الدوائية، بما يحقق توازناً بين تلبية احتياجات المواطنين اليومية وضمان الاستخدام الآمن والمسؤول للأدوية.