الحرية – أمين سليم الدريوسي:
بعد ساعات فقط من انهيار محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد، شرعت واشنطن في فرض حصار بحري شامل على جميع الموانئ الإيرانية، اعتباراً من صباح هذا اليوم، وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» أن الحصار سيُطبق «بشكل عادل على سفن جميع الدول الداخلة إلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية أو الخارجة منها»، بما في ذلك جميع الموانئ الإيرانية في الخليج العربي وخليج عُمان.
هذا التصعيد الأمريكي جاء ليكسر آمالاً كانت قد علقت على تلك المفاوضات، التي كانت تمثل أعلى مستوى من التواصل المباشر بين واشنطن وطهران منذ عام 1979. وقد أدى الإعلان الأمريكي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، حيث قفز الخام الأمريكي 8% إلى 104.24 دولارات للبرميل، وارتفع خام برنت 7% إلى 102.29 دولار، ما أثار شبح أزمة طاقة عالمية طويلة الأمد ويمهد الطريق لمواجهة متصاعدة قد تعيد تشكيل المعالم الجيوسياسية والاقتصادية للشرق الأوسط والعالم.
من وقف إطلاق النار إلى انهيار المفاوضات ثم الحصار
كان وقف إطلاق النار الذي دام أسبوعين، بوساطة باكستان في مطلع نيسان، قد أثار آمالاً حذرة بإحراز اختراق دبلوماسي عبر مفاوضات جمعت طرفي الحرب في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، لكن المفاوضات الطويلة بين نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف فشلت في سد الفجوات الجوهرية.
وحدد الوفد الأمريكي ستة «خطوط حمراء» غير قابلة للتفاوض، شملت إنهاء جميع أنشطة تخصيب اليورانيوم في إيران، وتفكيك المنشآت النووية الكبرى (نطنز، أصفهان، وفوردو)، وتسليم جميع مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب، وإنهاء تمويل الجماعات المسلحة التابعة لـ (حماس وحزب الله والحوثيين)، وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل دون رسوم أو قيود، وقبول إطار أمن إقليمي أوسع.
رفض المفاوضون الإيرانيون قبول هذه الشروط، وقال قاليباف إنه «حان دور واشنطن الآن لتقرر ما إذا كانت قادرة على كسب ثقة طهران»، وأوضح المحلل السياسي الإيراني – الأمريكي فالي نصر حالة الجمود، موضحاً أن إيران تريد التأكد من تنفيذ الاتفاق، وأن الولايات المتحدة لن تتراجع بعد أن تسلم طهران يورانيومها المخصب وتفتح المضيق، بينما تريد واشنطن الأمرين معاً فوراً.
الآليات والأثر المباشر للحصار
في صباح اليوم الإثنين 13 نيسان، الساعة 10:00 بتوقيت الساحل الشرقي الأمريكي، بدأت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» في تنفيذ حصار بحري شامل على جميع حركة الملاحة البحرية الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها، وأوضحت «سنتكوم» أن الحصار سيُطبق «بشكل محايد على سفن كافة الدول»، مع استمرار السماح للسفن التي تعبر مضيق هرمز في طريقها من وإلى موانئ غير إيرانية بالمرور دون عرقلة.
ورد فعل الأسواق كان فورياً وشديداً. فمع افتتاح التداولات الآسيوية، قفز الخام الأمريكي بنسبة 8% ليصل إلى 104.24 دولارات للبرميل، بينما ارتفع خام برنت بنسبة 7% إلى 102.29 دولار، هذا الارتفاع يعكس تصعيداً كبيراً مقارنة بأسعار الأسبوع الماضي، حيث كان خام برنت لتسليم حزيران قد انخفض إلى 95.20 دولاراً قبيل محادثات إسلام آباد، ويذكر أن خام برنت كان قد ارتفع من حوالي 70 دولاراً للبرميل قبل اندلاع الحرب في أواخر شباط، ليصل إلى ذروة تجاوزت 119 دولاراً في أوج القتال.
المنطق الاستراتيجي.. حرب اقتصادية كورقة ضغط
ينظر كبار المسؤولين والمحللين الأمريكيين إلى الحصار باعتباره تكتيكاً ضاغطاً يهدف إلى إجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات، فقد أشار ماثيو كروينيغ، المحلل الدفاعي، إلى أن استراتيجية مماثلة «نجحت إلى حد كبير مع فنزويلا»، وأن ترامب «لديه الفرصة لتكرارها هنا».
الحساب الاقتصادي واضح، تشكل صادرات النفط الإيرانية المصدر الرئيسي لإيرادات النظام، حيث تمول ما يقرب من نصف الميزانية الحكومية، ومن خلال قطع الوصول البحري، تسعى واشنطن إلى خنق الاقتصاد الإيراني ما لم تستسلم طهران بشأن القضايا النووية والإقليمية، ومع ذلك، فإن الحصار ينطوي على مخاطر كبيرة، فقد تتعرض السفن الحربية الأمريكية العاملة في مضيق هرمز الضيق – حيث يمر يومياً نحو خمس النفط المتداول في العالم – لهجمات بطائرات مسيرة أو صواريخ من دون سابق إنذار.
الرد الإيراني.. تحدٍ وإعادة إعمار
ويبدو أن إيران لم تبق مكتوفة الأيدي أمام الحصار الأمريكي والضربات التي طالت بنيتها التحتية، فقد أشار مسؤولون إيرانيون إلى أنهم لن يُجبروا على الاستسلام، مؤكدين أن طهران تمتلك الإرادة والقدرة على الصمود.
وكشف مسؤولون إيرانيون أن البلاد تستهدف استعادة 70-80% من طاقة مصافيها المتضررة خلال شهرين، وهذا الطموح يأتي بعد أضرار جسيمة لحقت بمراكز التصدير والمصافي والمجمعات البتروكيماوية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني، ولم تقتصر الأضرار على النفط الخام، بل امتدت إلى البتروكيماويات، ما تسبب بخسائر قدرت بعشرات المليارات.
أما على الصعيد السياسي، فقد أكد كبار المسؤولين أن بلادهم لن تركع لأي تهديد، ووصف القادة العسكريون الحصار الأمريكي بأنه «سخيف ومضحك»، مؤكدين أن القوات الإيرانية تراقب تحركات الجيش الأمريكي، وهكذا تكون الرسالة من طهران واضحة، لن ينهار النظام تحت الضغط، بل يستعد لمواجهة طويلة، «مسلحاً بإرادة صلبة وقدرات عسكرية فاعلة»، مع التأكيد أن الباب مفتوح للدبلوماسية العادلة، لكن ليس تحت التهديد.
الخيارات العسكرية مطروحة على الطاولة
مع فشل الحصار البحري وحده في إجبار إيران على الرضوخ للشروط الأمريكية، بدأت واشنطن تفكر جدياً في الانتقال إلى المرحلة التالية من التصعيد، فوفقاً لتقارير صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن الرئيس ترامب يدرس شن ضربات عسكرية جديدة ضد إيران كوسيلة لكسر الجمود الذي أفرزه انهيار مفاوضات إسلام آباد ورفض طهران الاستسلام للضغوط الاقتصادية.
وفي مقابلة مع قناة فوكس نيوز، أشار ترامب إلى أن محطات تحلية المياه ومحطات توليد الكهرباء الإيرانية «يسهل قصفها للغاية»، مضيفاً «أنني أكره فعل ذلك»، في إشارة إلى تردده الشخصي رغم الاستعداد العسكري الأمريكي لتنفيذ مثل هذه العمليات.
كذلك أشار مسؤولون أمريكيون إلى أن حملة قصف واسعة النطاق لا تزال خياراً مطروحاً على الطاولة، على الرغم من اعتبارها أقل احتمالاً بسبب المخاوف من عدم الاستقرار الإقليمي الذي قد تسببه، وإحجام ترامب المعلن عن الدخول في صراع طويل الأمد قد يستنزف الموارد الأمريكية ويعيد تشكيل أولويات واشنطن في المنطقة.
لكن الخيار الأكثر ترجيحاً، بحسب المصادر نفسها، هو استراتيجية «الضربات المحدودة»، إلى جانب الضغط المستمر من الحصار البحري، إذ يعتقد بعض مستشاري ترامب أن هذا النهج المزدوج – الضغط الاقتصادي عبر الحصار، والضغط العسكري عبر «ضربات جراحية» – قد يجبر طهران في النهاية على العودة إلى طاولة المفاوضات، ولكن هذه المرة بشروط أمريكية أكثر صرامة.
التداعيات العالمية
وبالعودة إلى الحصار تمتد الآثار إلى ما هو أبعد من تأثير أسعار النفط المباشر، فهذا الحصار يهدد بإزالة أو نقص ما يصل إلى مليوني برميل يومياً من الخام الإيراني من الأسواق العالمية، ما يشد الخناق على الإمدادات في وقت تشهد فيه المخزونات أصلاً ضغوطاً، وقد حذر مسؤولون يابانيون من أن واردات اليابان من النفط في نيسان قد تنخفض بشكل كبير عن 5.2 ملايين برميل المسجلة في آذار، وهو بالفعل أدنى مستوى منذ عام 2013.
وقد أفرجت اليابان بالفعل عن حوالي 80 مليون برميل من احتياطيها النفطي الوطني وتدرس إطلاقاً إضافياً يعادل 20 يوماً من الاستهلاك في أيار المقبل، لكن المحللين يحذرون من أنه حتى عمليات الإفراج الضخمة عن الاحتياطيات لا يمكنها تعويض الاضطراب الطويل الأمد في حركة مرور مضيق هرمز بشكل كامل.
ونتيجة انتشار هذه التأثيرات عبر الأسواق المالية العالمية، فقد انخفض الدولار وتراجعت الأسهم في التداولات الآسيوية المبكرة، بينما تم بيع السندات وسط مخاوف من مخاطر التضخم، كما ارتفعت أسواق السلع الأساسية، بما في ذلك السلع الزراعية التي تعتمد على إمدادات الوقود والأسمدة.
الاتفاق لا يزال بعيد المنال بسبب فجوة الثقة
في قلب الانهيار تكمن فجوة ثقة عميقة. لا تزال الذكرى المؤلمة لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2015 في عهد ترامب السابقة تطارد المفاوضين الإيرانيين، إذ تريد طهران ضمانات بأن أي اتفاق جديد سيُنفذ، وأن واشنطن لن تتراجع مرة أخرى بعد أن تفكك إيران بنيتها التحتية النووية.
أما واشنطن، فتصِر على أن إيران يجب أن تُظهر تحولاً حقيقياً في النوايا قبل تقديم أي تخفيف للعقوبات أو ضمانات أمنية، وقد أخبر فانس الصحفيين أن الولايات المتحدة «أوضحت خطوطها الحمراء وأين يمكنها ولا يمكنها تلبية مطالب إيران»، لكن المفاوضين الإيرانيين «اختاروا عدم قبول الشروط».
باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحاً
ورغم التصعيد الخطابي والعسكري، لا تزال القنوات الدبلوماسية مفتوحة تقنياً، فقد وصف السفير الإيراني في باكستان رضا أميري مقدم محادثات إسلام آباد بأنها «ليست حدثاً بل عملية»، وضعت «الأساس لعملية دبلوماسية، إذا ما تعززت الثقة والإرادة، يمكن أن تخلق إطاراً مستداماً لمصالح جميع الأطراف».
ما إذا كان يمكن إحياء هذه العملية وسط الحصار والضربات المحتملة، يعتمد كلياً على ما إذا كان أي من الجانبين مستعداً للحظة من التراجع، في الوقت الحالي، تسعّر الأسواق العالمية احتمالية مواجهة طويلة الأمد – وتستعد للعواقب الاقتصادية.