«شات جي بي تي» ليس طبيباً.. محاذير الاستشارات الطبية عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – عمار الصبح:

يتزايد اعتماد الكثيرين على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وخصوصاً «شات جي بي تي»، للحصول على نصائح طبية وطلب الاقتراحات التشخيصية والعلاجية بصورة فورية، والاعتماد عليها دون الحاجة إلى زيارة الأطباء، ما بات يثير المخاوف من الأخطاء التي قد تنجم عن استخدام هذه التطبيقات والأخذ بنتائجها على أنها حقيقة مطلقة لا تقبل الشك.

ملايين الاستشارات الطبية يومياً

تشير العديد من الأبحاث والدراسات التي أجريت بهذا الشأن إلى تزايد عدد مستخدمي تطبيقات الذكاء الاصطناعي للأغراض الطبية وطلب الاستشارات.

ووفقاً لتقرير صادر عن «أوبن أي آي»، عملاق التكنولوجيا والشركة الأم لتطبيق «شات جي بي تي»، فإن أكثر من 40 مليون شخص حول العالم يستخدمون روبوت الدردشة طلباً للمشورة الصحية يومياً، ما يمثل أكثر من خمسة في المئة من إجمالي الرسائل الموجهة إليه عالمياً. في حين وجدت دراسة أجرتها منظمة «هيلث واتش» الرائدة في مجال الرعاية الصحية، أن تسعة في المئة من الرجال وسبعة في المئة من النساء يستخدمون روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي للاستفسارات الطبية.

أرقام تثير المخاوف

بالنسبة للمتخصصين، فإن هذه الأرقام تثير المخاوف، إذ أنها مرشحة للارتفاع أكثر ويمكن أن تحقق قفزات أكبر في المستقبل القريب، ما يجعل من المفيد التوعية بحدود استخدام هذه التقنيات، وعدم الاعتماد عليها كلياً كبديل عن زيارة الأطباء.

وفي هذا السياق، يرى مبرمج البيانات وصانع المحتوى الرقمي أنور الشحمة أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي باتت أمراً واقعاً لا مفر منه في ظل الثورة الرقمية التي لا يبدو أنها ستتوقف عند حد معين، غير أن الاعتماد كلياً على هذه التطبيقات والأخذ بها على أنها حقيقة مطلقة يعد أمراً يجانب الصواب. في المجال الطبي، وحسب ما يقول الشحمة في حديثه لـ«الحرية»، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً حياً من الممارسة اليومية داخل المستشفيات الحديثة، فالخوارزميات تُحلّل الصور الشعاعية، تقرأ تخطيط القلب، تُراجع السجلات الطبية، وتُقدّم اقتراحات تشخيصية أولية خلال ثوانٍ معدودة، لكن ماذا لو أخطأ الذكاء الاصطناعي؟ يضيف الشحمة: «هذا ونحن نتحدث عن استخدامه في المشافي تحت أعين الرقيب، فكيف هو الحال إذا كان طلب الاستشارة الطبية يتم من قبل المريض بشكل مستقل».

مفيد ولكن!

يشير مبرمج البيانات إلى أن روبوتات الذكاء الاصطناعي قادرة على تقديم معلومات مفيدة، وهي أيضاً سهلة الاستخدام وقد يكون الوصول إليها أسهل من الوصول إلى الطبيب، لذلك يلجأ كثيرون إلى سؤالها عن إرشادات صحية، لكن معظم هذه البرامج غير مصممة لغرض تقديم المشورة الطبية، مشاطراً مقدمي الرعاية الصحية المخاوف بشأن سرية البيانات الطبية الحساسة في روبوت الدردشة.

وعلاوة على ذلك، يضيف أن الخوارزميات الموجودة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تسهم أيضاً في استمرار انتشار المعلومات المضللة، إذ أنه بمجرد أن يبدأ شخص ما بمشاهدة نوع معين من المحتوى الصحي أو التفاعل معه، فمن المرجح أن تقترح عليه المنصة مزيداً من المحتوى المشابه، ومع مرور الوقت قد يؤدي ذلك إلى ازدياد المعلومات المضللة أو غير الدقيقة، وقد يدفع ذلك المريض إلى فقدان الثقة بالنصائح الطبية الحقيقية والدقيقة.

وبالمحصلة، يوضح خبير البيانات أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي هي آليات قائمة على الاحتمالات تهدف إلى إيجاد الإجابة الأنسب للسؤال الموجه إليها، وهي تميل إلى محاولة تقديم المساعدة بصورة كبيرة حتى عندما لا تكون متأكدة من الإجابة كلياً، فضلاً عن أنها كثيراً ما تعطي الأولوية للمساعدة على حساب الدقة، خصوصاً إذا تجاهل المستخدم ذكر معلومات أساسية قد يسأل الطبيب عنها عادة أثناء التشخيص السريري.

نتائج مقلقة

رغم التطور الكبير الذي باتت تشهده تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلا أن ذلك لا ينفي فرضية حدوث الكثير من الأخطاء الطبية وتمرير معلومات مضللة. وحسب دراسة نُشرتها مجلة (JAMA Network Open)، اختبر الباحثون أداء روبوتات الدردشة في التعامل مع 29 حالة سريرية افتراضية مستندة إلى مراجع طبية، وتم تقديم المعلومات إليها بشكل تدريجي بدءاً من علامات المرض الأولية إلى نتائج الفحص السريري والتحاليل. وأظهرت النتائج أن هذه النماذج أخطأت في أكثر من 80% من الحالات عند محاولة التشخيص في المراحل المبكرة، عندما تكون المعلومات المتاحة محدودة.

يؤكد خبراء ومتخصصون في تقديم الرعاية الصحية أن نتائج هذه الدراسة تتقاطع في كثير من تفاصيلها مع دراسات أخرى أجريت في نفس السياق، حيث أثبتت أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وحده في التشخيص، خاصة في المراحل المبكرة أو عندما تكون الأعراض غامضة، قد يكون محفوفاً بالمخاطر، فهذه النماذج تُجيد الوصول إلى التشخيص الصحيح عندما تكون المعلومات مكتملة، لكنها تواجه صعوبة وتزداد احتمالية الخطأ عندما تكون

البيانات ناقصة

ويشير الخبراء إلى أن خطورة النصائح الطبية على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تكمن فقط في كونها سطحية وغير دقيقة، بل في أنها تخلق إحساساً زائفاً بالأمان لدى الكثيرين، خصوصاً أولئك الذين يعانون من أمراض صامتة أو في مراحلها الأولى، إذ يُقنع المريض بأن ما يشعر به بسيط أو مؤقت، وأنه قادر على السيطرة عليه بنصيحة عامة أو تجربة شخصية، بينما يستمر المرض في التقدم داخل الجسد بعيداً عن أي تشخيص علمي أو متابعة طبية مسؤولة.

ليس بديلاً عن الطبيب

تنطوي التكنولوجيا على «إمكانات هائلة» لدعم الحالات الطبية، لكن مهما بدا روبوت الدردشة الذكي ودوداً ومتحمساً لإرضاء المستخدم، كما يؤكد المتخصصون، لا يمكنه أن يكون بديلاً عن إجراء محادثة مع طبيب يعرف المريض، ويفهم السياق، ويستطيع اتخاذ قرارات آمنة تستند إلى الأدلة.

كما ينصح هؤلاء باللجوء إلى روبوتات الدردشة «للحصول على إرشادات طبية عامة فقط، وليس لتلقي استشارة طبية شخصية تتطلب مشاركة معلومات صحية مفصلة»، مؤكدين أنه من الضروري دائماً أن تعمل هذه التكنولوجيا جنباً إلى جنب مع عمل الأطباء وغيرهم من المتخصصين في الرعاية الصحية، وأن تكون مكملة لعملهم، وليس بديلاً عنهم.

Leave a Comment
آخر الأخبار