بعد خمسة أشهر وثلاثة تمديدات.. عملية استبدال العملة لم تكتمل؟

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية ـ عثمان الخلف:
منذ الأيام الأولى لإطلاق عملية استبدال الليرة السورية، أعلن مصرف سوريا المركزي بأن المهمة ستنجز خلال تسعين يوماً- ثلاثة أشهر لا أكثر.
اليوم، وبعد مرور أكثر من خمسة أشهر على انطلاق العملية، لا تزال الليرة السورية القديمة تهيمن على المعاملات اليومية في أسواق دمشق وحلب وسائر المحافظات، علماً أن دفاتر المصرف المركزي تقدّر الكتلة النقدية بـ42 تريليون ليرة، لكن لا أحد يعرف أين هي بالضبط.

مسيرة التمديد- الجدول الزمني كاملاً

في 29 كانون الأول 2025، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي السابق عبد القادر الحصرية أن الكتلة النقدية المستهدفة تبلغ 42 تريليون ليرة سورية، تمثّل ما يقارب 13 مليار قطعة نقدية تضخّمت منذ عام 2011 حين كانت عند حدود تريليون واحد فقط، وحدّد المركزي الأول من يناير 2026 موعداً لانطلاق العملية، على أن تنتهي خلال 90 يوماً قابلة للتمديد.
في 24 شباط 2026، أعلن المركزي أنه استُبدل 35% من الكتلة النقدية (نحو 13 تريليون ليرة). وفي 2 آذار 2026، كان التمديد الأول 60 يوماً إضافية حتى نهاية أيار 2026، وفي أوائل أيار 2026، أعلن المركزي أنه استُبدل 56% من الكتلة النقدية، وفي 1 أيار 2026، كان التمديد الثاني 30 يوماً إضافية حتى 30 حزيران 2026، ثم في 31 أيار 2026، كان التمديد الثالث 30 يوماً إضافية حتى 30 تموز 2026، وأعلن المركزي أنه استُبدل 63% من الكتلة النقدية.
إن المعادلة واضحة، فقد أعلن عن 90 يوماً وانتهى الأمر بثلاثة تمديدات متتالية، وبحلول نهاية أيار 2026، تجاوزت العملية حاجز الخمسة أشهر دون أن تكتمل، والتمديد الثالث الصادر قبل أيام يرفع الرقم الإجمالي إلى ما يتجاوز سبعة أشهر، وبالتالي، الأرقام تحكي قصة مختلفة.

ماذا يجري؟

وفق البيانات الرسمية الصادرة عن المصرف المركزي، فقد بلغت نسبة الاستبدال 35% بعد الشهر الأول والنصف، ثم ارتفعت إلى 56% بعد أربعة أشهر تقريباً، وحالياً إلى 63%.
وهذا يعني، وفق حديث الخبير الاقتصادي مازن الشاهين لـ«الحرية»، أن 37% من الكتلة النقدية المُعلنة لا تزال خارج المنظومة المصرفية بعد كل هذا الوقت.
وما يلفت الانتباه في هذه الأرقام، بحسب الشاهين، هو أن وتيرة الاستبدال تباطأت بشكل لافت في الأشهر الأخيرة. فبينما استُبدل 35% خلال الشهرين الأولين، لم يضف سوى 21% خلال الشهرين التاليين، وهو ما يعكس تعثراً حقيقياً في الإقبال على تسليم العملة القديمة، لا مجرد مسألة لوجستية.
ويضيف الخبير الاقتصادي: الفرضية الأخطر -نقود طبعت في الظلام- فهناك سؤال لم يجب عنه المركزي بشكل مباشر: هل الـ42 تريليوناً هي فعلاً كل ما في السوق؟
كما يعيدنا الشاهين إلى تصريح لافت أدلى به حاكم المصرف لقناة الجزيرة في كانون الثاني 2026، جاء فيه أن «دفاتر مصرف سوريا المركزي تشير إلى وجود 42 تريليون ليرة سورية، لكن لا أحد يعرف أين هي على وجه التحديد بعد الحرب وتداعياتها».
هذه الجملة وحدها تستحق وقفة تأمل طويلة، فهل طبعت كميات من الليرة السورية خارج السجلات الرسمية للمصرف المركزي؟ وهل جرى ذلك بهدف استنزاف احتياطيات العملة الأجنبية في سوريا؟

معطيات تدعم الفرضية

يستعرض الخبير الاقتصادي جملة معطيات تدعم الفرضية آنفة الذكر، أولها أن حجم الإصدار النقدي انتقل من تريليون ليرة عام 2011 إلى 42 تريليوناً عام 2024- أي تضخم بمقدار 42 ضعفاً في 13 عاماً، في اقتصاد منكمش أصلاً.
ثم بعد نحو خمسة أشهر من الاستبدال المجاني عبر أكثر من ألف منفذ، لا تزال نسبة 37% خارج دائرة الاستبدال، وهذا يطرح احتمالاً أن جزءاً من الكتلة النقدية يتجاوز ما هو مسجل فعلاً.
وأيضاً الاستمرار في التمديد رغم الإعلان عن «تقدم جيد» هو تعبير متناقض، لأنه لو كانت العملية تسير بسلاسة، لما احتاجت إلى ثلاثة تمديدات متتالية.
مؤكداً أن ثمّة عوامل بنيوية أقل إثارة لكنها لا تقل أهمية في تفسير التأخير، فالجغرافيا المعقدة تلعب دوراً، إذ إن منطقة شمال شرق سوريا خضعت لإدارة مختلفة لسنوات، وسوق البدائل النقدية فيها متجذر، ولا يزال المصرف المركزي يعالج خصوصية الاستبدال في الرقة والحسكة بمعايير مختلفة.
وأيضاً الاكتناز والخوف، فقد اعتاد المواطن السوري على عقود من عدم الثقة بالمؤسسات المالية، وكثيرون يفضلون الاحتفاظ بالنقد تحت الوسادة بدلاً من توجيهه عبر القنوات الرسمية.
وبصرف النظر عن نوع العملة، والأهم المخزون الخارجي، يلفت الشاهين إلى أن قسماً غير محدد من الليرة السورية موجود خارج حدود سوريا، في يد اللاجئين والمغتربين والتجار الإقليميين الذين تعاملوا بها، ومن الواضح أن الوصول إلى هذه الكتلة النقدية أصعب بكثير من الكتلة الداخلية.
يضاف إلى ذلك ضعف البنية التحتية المصرفية، فرغم إعلان أكثر من ألف منفذ، لا تزال المصارف في بعض المحافظات تعمل بطاقة محدودة، وبعض مناطق الريف تفتقر إلى أي تمثيل مصرفي فعلي.

ما يجب أن يحدث الآن؟

بصرف النظر عن السبب الحقيقي وراء التأخير الحاصل في عملية استبدال العملة السورية الجديدة، يعرض الخبير الاقتصادي مازن الشاهين جملة إجراءات يجب اتخاذها بهذا الشأن.
أهمها مراجعة مستقلة للبيانات النقدية، فلا يمكن للمصرف المركزي أن يكون حكماً وخصماً في الوقت نفسه، ويجب أن يخضع سجل الإصدار النقدي لمراجعة هيئة مستقلة أو جهة دولية متخصصة.
كذلك الإفصاح التفصيلي عن نسب الاستبدال الجغرافي، ومعرفة أين تحديداً النسبة الأعلى والأدنى وما هي المناطق المتعثرة، فهذه معلومات يحق للرأي العام معرفتها.
ثم تحديد آليات امتصاص السيولة الزائدة، سواء جاءت من كتلة غير محسوبة أو من بطء الاستبدال.
وبين الشاهين ضرورة أن يكون المركزي مستعداً بأدوات لسحب فائض السيولة، من سندات حكومية قصيرة الأجل أو آليات إيداع محفزة.
ناهيك عن تحديد موعد نهائي صارم وغير قابل للتفاوض، فالتمديدات المتكررة ترسخ انطباعاً بأن المؤسسة المصرفية الجديدة لا تختلف في أسلوبها التشغيلي عن سابقتها.
ويختم حديثه بالقول: إن عملية استبدال الليرة السورية لم تكن مجرد إجراء تقني- كانت اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسة المصرفية السورية الجديدة على التخطيط والتنفيذ والشفافية، بعد خمسة أشهر وثلاثة تمديدات، يتضح أن الاختبار أصعب مما قدر.

Leave a Comment
آخر الأخبار