عن قصيدة الفيسبوك ومحاولات هروب الشعر بعيداً عن الرفوف

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- علي الرّاعي:

بخلاف كلّ أنواع الكتابة، وربما كلّ أنواع الإبداع؛ فإن مراكب الشعر لا تُنهي إبحارها في مرافئ أخيرة.. فعلى مدى الكتابة؛ كان دائماً ثمة مرافئ جديدة ترسو فيها قوارب القصيدة لبعض الوقت، وليس كله..

أعالي الشعر

من هنا؛ دائماً كان للقصيدة مسارات لإبحارٍ جديد في أعالي الشعر، بمعنى كانت ثمة انعطافة جديدة في القول الشعري، وذلك بعد أن يصل ذلك القول، وبعد عتيٍّ من الخوض في بحوره من تقليدية استنفدت معها كلّ جماليات الشكل الشعري، وحتى كلّ جماليات بنية القصيدة، وربما حتى أغراضها وشواغلها..

أشكالٌ كانت تطول أو تقصر حسب تطور المجتمعات، وتقبلها لكلّ جديد.. بين انفتاحها لترك الأقوى يُثبت جدارته، وبين تقوقعها على “مورثها” الذي يصل حسب ذهنيتها إلى مراتب القداسة..

الفن الأول

وربما الشكل الشعري الذي عرفته العربية في أولى “قرضها للشعر”، ذلك الذي أبحرت قواربه في ستة عشر بحراً بجوازاتها وضروراتها الشعرية وقوافيها وأوزانها؛ وكانت الفترة الأطول في تاريخ القصيدة العربية حتى عُرّف الشعر بأنه “الكلام الموزون المقفّى”، وهو التعريف الذي نسفته قصيدة النثر منذ ما يُقارب المئة سنة، وكان ذلك الشكل الشعري قد وصل إلى أن استنفد أقصى جمالياته..

اليوم حتى قصيدة النثر بالشكل الذي نشأت فيه تكاد هي الأخرى تستنفد معظم جمالياتها سواء في الشكل، أم في المضمون.. لكن كما ذكرنا فإن القصيدة، وبما عُرفت فيه من “مُكرٍ” جمالي ومراوغة فكرية ولغوية؛ كان في كلّ مرّةٍ تغيّرُ جلدها، ولاسيما أنّ قصيدة النثر كانت طالعة من رحم قصيدة التفعيلة، ذلك الشكل الشعري الذي تمرّد على الوزن إلا قليلاً، وهو الأمر الذي أتاح لقصيدة النثر أن تنزع كلّ المعاطف القديمة..

السوشيال ميديا

مع الميديا الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي؛ كان الفضاء رحباً لقولٍ جديد لا يزال يتشكل ويبلور هويته؛ وهو “قصيدة الفيسبوك”، وهي ليست القصيدة التي تُكتب كمنشورٍ وجيز على صفحات التواصل الاجتماعي فقط؛ بل هي أمست شكلاً ومضموناً جديدين لها ملامحها الخاصة والجديدة إلى حدٍّ كبير التي من خلالها استطاعت القصيدة أن تجد قوارب مُختلفة للإبحار في أعالي الشعر.

قصيدة مُختلفة بالروح الجديدة للنصوص التي أخذت من تطوّر الحياة سرعتها وتقشّف لغتها ورموزها، لتعيد كتابة الكلمات أو كتابة النص الشعري بناءً على كلِّ ما يستجد!

سجن القصيدة

لا أعتقد أن الشعر يوماً كان سعيداً بكلّ الكتب التي سُجن فيها، وبكلّ المكتبات التي رحل إليها.. إذ لطالما كان الشعر يعشقُ الانطلاق والتحليق بعيداً، ولا أعتقد أن الشعر أحبّ يوماً أن يبقى خزين الأدراج، لفقد كانت غايته أن تنطق به الشفاه وتمنحهُ تلك العاطفة التي افتقدها في سجنه وتمنحه الحياة.

حاولت الأماسي أن تخرجه من الأدراج والكتب، وحاولت أن تمنحه حياة أخرى، ولكن على طريقتها ووفق قوانينها ونظمها وفي غرف ضيقة حيناً، وفي قاعاتٍ واسعة طوراً، وفي أطر معينة وروتين جاف كثيراً، حيث لم ينتبه القيّمون على تلك الأماسي أن الشعر لا يحب السجون، ولا يرضى أن يقوننه أحد، أو أن يبرمجه أحد وفق قانون أو برنامج أو أن يفرض عليه أي قيود.

الأماكن الضيقة

حتى الناس بدورهم هربوا من سماع الشعر في تلك الأماكن الضيقة والجدران الإسمنتية الصلدة، ولم يعودوا يتلهفون لسماع القصيدة.. كيف تقبل أن تسمع قصيدة تتحدث عن البحر والشجر وأنت محاصر بالجدران والألواح والأبواب الموصدة..؟!

الشعر يحب الحرية.. إن لم يكن أحد ملامحها.. لذا يطيب له أن يخرج إلى الهواء الطلق، ويعيد تلك العلاقة بين الكائن وعالمه ويستعيد دوره كمغناطيس يلتقط برادة الواقع الخارجي، ويكشف تلك الشعرية المختبئة بين ثناياها لتصبح مهمة الشاعر أكثر صعوبة في الكشف عن العلاقات الطارئة بين الكائنات والأشياء وذاته، والتي لا تحتاج إلى عين ميتافيزيقية بقدر ما تحتاج إلى عين فاحصة، وإلى خبرة بالأشياء.. وبذلك يستطيع الشاعر أن يكشف علاقة التجانس الكوني التي تندرج الأشياء داخلها وتعطيها تلك القدسية التي لا يستطيع أحد أن يمنحها لها إلا الشعر.

الساحات العامة

إذاً ليخرج الشعر إلى الساحات العامة، ليقرأ بجانب تماثيل الشعراء الرواد الذين عاشوا حيواتهم كقصيدة، وليتربع الشعر على الشرفات المطلة على المدى حيث لا حدود ولا تخوم، بل فقط عريشة الياسمين يداعب عليل الهواء أطرافها فتميل.

ليذهب الشعر إلى الحدائق، ويقرأ على المقاعد التي لطالما حفظت سير العاشقين، وخبأت أسرارهم، وكتمت أوجاعهم، ودوّنت مواقيت لقاءاتهم وفراقهم.. المقاعد التي شربت مع رذاذ المطر دموع الوجد، وعرفت ألم الفراق والشوق والبعد.

ليمضي الشعر إلى ضفاف الأنهار، ويستريح تحت ظلال الحور والصفصاف، وليبلل قدميه في الماء الذاهب إلى السهوب في هواءٍ عذب يوقظ النائم والغافي عميقاً، ليسرح الشعرُ بعيداً في البراري وليمنحنا متعته النورانية في الذهاب بعيداً إلى ذواتنا، وإيقاظ الجميل وجعله يشرق فينا كصباح.

إلى الشواطئ

ليذهب الشعر إلى الشواطئ؛ فنشمُّ معه ملوحة البحر، ونصغي لصوت النوارس ونراقب السفن الغادية ونستعيدُ حباً عشناه، وحباً افتقدناه وبلاداً نحبها..

هكذا يحب الشعر أن يعيش، وهكذا يستعيدُ نفسه، ويبني مملكته فينا وخارجنا، وهكذا يسترجعُ الشعرُ ثقته بنفسه وبمتلقيه بعد أن سلبته سنين القاعات المغلقة براريه وحدائقه وأحلامنا التي افتقدناها كما افتقدنا الشعر وكما افتقدنا بفقدانه الكثير من جماليات الحياة.

الشّعر أخيراً يقرّب المستحيل حتى لتحسب أنه ممكن، ويبعّد الممكن حتى لتحسب أنه مستحيل، والشّاعر هو الفاشل الوحيد الذي يتغنّى بفشله حتى لتحسده عليه، وهو الفاشل أيضاً الوحيد الذي يتغنّى بالنجاح حتى لتحسب أنه ناجح كبير.

Leave a Comment
آخر الأخبار