الحرية – دينا الحمد:
تتسارع خطوات ومحطات إعادة إعمار سوريا يوماً بعد يوم، وتدور عجلة البناء لتطوي معها كل مظاهر الخراب والدمار والحرمان التي خلفها النظام البائد، ومن هذه المحطات انعقاد أعمال مؤتمر الحوار الوطني للقطاع الخاص السوري في قصر المؤتمرات بدمشق، الذي تنظمه وزارة الاقتصاد والصناعة بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وبدعم من الحكومة اليابانية.
تنبع أهمية المؤتمر من حجم المشاركة الخارجية والداخلية في أعماله، فإضافة إلى حضور مؤسسات الاقتصاد والصناعة والمال السورية، فإن مشاركة عدد كبير من خبراء الاقتصاد ورجال الأعمال والشركاء الدوليين أضفت على المؤتمر جواً من التفاؤل برسم عقد اقتصادي واجتماعي يقود سوريا نحو التعافي المستدام، وصياغة خطوات استراتيجية مفصلية لرسم ملامح الاقتصاد السوري الجديد.
ويرى خبراء الاقتصاد أن الخطوة الأولى من الجانب السوري يجب أن تتمثل بصياغة نموذج تشريعي واقتصادي يواكب متطلبات المرحلة بكل ما فيها من انفتاح اقتصادي، ناهيك بضرورة التفكير من خارج الصندوق بما يخص بناء شراكة حقيقية وتكاملية تحدد الأدوار بدقة بين الدولة والقطاع الخاص، بكل ما يعنيه ذلك من انعكاس إيجابي على مؤسسات الدولة والمجتمع المحلي بآن معاً.
وهذه الرؤية الحكومية عبر عنها وزير الاقتصاد والصناعة حين أكد أن نجاح هذه الشراكة لا يُقاس بحجم الرساميل المستثمرة، بل بأثرها الاقتصادي والاجتماعي بعيد المدى، مثل استيعاب العمالة المحلية ونقل المعرفة وتوزيع الأدوار بين القطاعين العام والخاص، بحيث تتولى الدولة رسم الرؤى الاستراتيجية وصياغة الأطر التشريعية وحماية المستهلك والمنافسة العادلة، وضمان الاستقرار الاجتماعي والمالي، فيما يقود القطاع الخاص قاطرة الابتكار والإنتاج والاستثمار وتطوير التكنولوجيا وفتح الأسواق الجديدة وتحمل مخاطر التنمية.
أما الدعم الخارجي، فيمكن القول بأن اليابان، عبر سفيرها في سوريا السيد أكيهيرو تسوجي، أكدت على التحول الجوهري في مسار الحوار الاقتصادي الذي تدعمه بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وخاصة أن النقاشات تجاوزت اليوم مرحلة الحديث عن العقوبات وتحديات الالتزام بها، لتركز بشكل مباشر على دور قطاع الأعمال في صياغة المستقبل، وأن التعافي لا يمكن تحقيقه عبر الحكومات وحدها، بل إن القطاع الخاص القوي هو المحرك الأساسي لإنعاش المجتمعات وخلق فرص العمل، وهو ما تدعمه طوكيو وتلتزم بمحدداته كي ينجح الاقتصاد السوري بقيادة وإدارة السوريين أنفسهم.
وهذه الرؤية تتقاطع تماماً مع استراتيجية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي اعتبر انعقاد المؤتمر في دمشق بأنه رسالة قوية تعلن الانتقال إلى مرحلة جديدة تعتمد على كفاءة المؤسسات السورية التي تحتاج إلى دعم كبير لتجاوز حجم الخسائر الهائلة التي تكبدها الاقتصاد السوري على مدار 14 عاماً مضت، والتي قدرت بمئات المليارات من الدولارات.
بل إن ممثل المنظمة الدولية في دمشق دعا إلى صياغة عقد اجتماعي واقتصادي جديد ينقل البلاد من مربع الاستجابة الإنسانية المؤقتة إلى التنمية المستدامة، عبر الاستثمار في البنية التحتية، ودعم القطاع الرقمي والتكنولوجي، إلى جانب تعزيز الاندماج الإقليمي، وتالياً تحويل هذا المؤتمر إلى منتدى سنوي مؤسسي «وطني وإقليمي ودولي» يطرح أولويات الاقتصاد السوري بشكل مستدام أمام الشركاء الدوليين.
من هذه الأولويات تنبع الأهمية البالغة التي يكتسبها المؤتمر الحالي والحوارات التي تتخلله، بين القطاع الخاص والحكومة السورية في هذه المرحلة، وبدعم أممي ودولي يؤازر بناء سوريا الجديدة عبر إشراك القطاع الخاص بشكل حقيقي في دراسة وصياغة القرارات والقوانين التي تنهض بالاقتصاد وتمهد لمرحلة إعادة الإعمار.