الحرية ـ سراب علي:
في خطوة تعكس توجه سوريا نحو استغلال ثرواتها المعدنية بالشكل الأمثل، يبرز المشروع الاستراتيجي لإنتاج السماد الفوسفاتي من السِّجيل الزيتي الذي يأتي ضمن إطار مذكرة التفاهم السورية-السعودية وبإشراف مشترك من وزارات الطاقة والاقتصاد والصناعة، ويهدف المشروع إلى تطوير استثمار الثروات المعدنية الوطنية ورفع قيمتها المضافة، في تحول نوعي من تصدير المواد الخام إلى صناعة وسيطة ذات مردود اقتصادي أكبر.
وبين الحاجة الملحة لتأمين السوق المحلية بأسمدة مدعومة لإنعاش القطاع الزراعي وزيادة الإنتاج، وبين ضرورة التصدير لتحقيق عوائد بالعملة الصعبة، خصوصاً مع وجود شريك سعودي يبحث عن عائد على استثماره، يبرز تحدٍ حقيقي في تحقيق التوازن، ويبقى السؤال كيف سيؤثر هذا المشروع في معادلة الأمن الغذائي السوري؟
يلامس تحديات إعادة الإعمار
يؤكد عميد كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية الدكتور عبد الهادي الرفاعي، أن هذا المشروع يلامس تحديات إعادة الإعمار في سوريا، لافتاً إلى أهمية النظر إلى المشروع باعتباره آلية لتحقيق توازن بين هدفين يبدوان متعارضين: توفير السيولة بالعملات الأجنبية عبر التصدير، وضمان الأمن الغذائي من خلال الأسمدة المدعومة.
الرفاعي: تصدير الفوسفات لتأمين الدولار ومقايضة ضمنية لحماية الفلاح
وأوضح الرفاعي، في تصريح لـ”الحرية”، أن المشروع سيُحدث تأثيراً إيجابياً غير مباشر على معادلة الأمن الغذائي، عبر خفض فاتورة الاستيراد، إذ لا تزال سوريا تعتمد على استيراد الأسمدة.
وأشار إلى أن ضخ إنتاج محلي من الفوسفات سيقلل الحاجة إلى صرف القطع الأجنبي على الاستيراد، ما يُحسّن الميزان التجاري، كذلك فإن توفير الأسمدة بكميات كافية ولو كانت بأسعار السوق يزيد إنتاجية الهكتار الواحد، ما يعزز الأمن الغذائي كمياً.
السماد المدعوم مقابل التصدير
وأشار الرفاعي إلى أنه وفق المعلومات المتاحة حتى نيسان 2026، يبدو أن خيار التصدير هو المرجح في المرحلة الأولى لتحقيق السيولة، حيث ركّزت الاتفاقيات الأخيرة لوزارة الطاقة على تصدير الخام مباشرة (مثل اتفاقية تصدير 2.5 مليون طن) أو عبر شركات أجنبية، وأضاف إن سوريا بحاجة ماسة إلى الدولار لتمويل استيراد المحروقات والمواد الأولية الأخرى، ومن المنطقي توجيه إنتاج المشروع للتصدير لحل هذه الأزمة المزمنة.
لكنه شدد على أن هذا الخيار يعتمد كلياً على قدرة الحكومة على الدفع، كما أن وجود شريك سعودي يسعى للربح يعني أن بيع المنتج للمزارع السوري بسعر مدعوم سيأتي على حساب أرباح الشريك، ما يجعل استمرار هذا النهج صعباً من الناحية المالية.

التوازن المحتمل
أوضح الدكتور الرفاعي أن التوازن المحتمل أو الأكثر واقعية قد يتحقق عبر مقايضة ضمنية، يتم بموجبها تصدير معظم الإنتاج (خاصة الفوسفات الخام أو الأحماض) لتوفير الدولار، ثم استيراد أسمدة مدعومة أو إنتاج كميات محددة محلياً بأسعار مدعومة جداً، كما يمكن العودة إلى نظام السوق المزدوجة المطبق سابقاً، حصة مدعومة عبر قناة حكومية ومن خلال المصرف الزراعي للمزارعين المرخصين بكميات محدودة وقروض رسمية، إلى جانب حصة تجارية يُباع فيها الجزء الأكبر بالسعر العالمي، سواء للمزارع الخاص الكبير أو للتصدير، لضمان الجدوى المالية للمشروع.
وخلُص إلى أن الأولوية حالياً تبدو للتصدير من أجل إنعاش خزينة الدولة، بينما سيتحقق الأمن الغذائي عبر توفر السماد في السوق، وإن لم يكن بالسعر المدعوم جداً، فوجود السماد بسعر السوق أفضل من انعدامه بسبب شح السيولة، وأشار الرفاعي إلى أن تحقيق هذا التوازن يستدعي من الحكومة منح “إعفاءات جمركية” لمدخلات الإنتاج الزراعي لتعويض المزارعين عن ارتفاع أسعار الأسمدة.
يحمي من تقلبات الأسعار
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس أن المشروع يحقق فوائد متعددة للأمن الغذائي، أبرزها توفير السماد بشكل دائم وبعيداً عن تقلبات الصرف وأسعار العملات وسلاسل التوريد ومشاكل الشحن والنقل، ما يمنح السوق الزراعي السوري أماناً واستقراراً وثقة، إضافة إلى توفير الأسمدة في أوقات مناسبة وبالكميات التي يريدها المزارعون.
الدبس: السماد المحلي يحرر المزارع من تقلبات الأسعار وسلاسل التوريد
ويشير الدبس في تصريحه لـ”الحرية” إلى أن هذا الاستقرار يشكل دافعاً قوياً للفلاحين، إذ يحميهم من تقلبات الأسعار التي كثيراً ما تفاجئهم بعد بدء موسمهم الزراعي بسبب أزمات عالمية في سلاسل التوريد أو النقل، ما يخلط حسابات التكاليف ويجعلهم يعيدون النظر في جدوى مشاريعهم.
نسبة محددة للسوق المحلي
حول موضوع التسعير، أوضح الدبس أن المتعارف عليه اقتصادياً في المشاريع المشتركة أن تتفق الحكومة المستضيفة مع الشركاء على تخصيص نسبة محددة من الإنتاج (70 أو 60 أو 50%) للسوق المحلي وليس للتصدير، وذلك لضمان توفر المادة داخلياً، أما الشريك الأجنبي (السعودي) فله الحق في تحقيق أرباحه عبر التصدير بالعملة الأجنبية وبالسعر العالمي، وهو عادة أعلى من السعر المحلي.
وفقاً للدبس هذه الآلية تعطي الحكومة السورية دافعاً مزدوجاً لناحية تأمين السوق الداخلية بسعر مقبول، وتأمين قطع أجنبي من حصة التصدير، ما يدعم الاقتصاد السوري والعملة الوطنية.
تحفيز الاستثمار الزراعي
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أنه عند استقرار الأمور بهذا الشكل، وملامسة المستثمرين والمزارعين لتوفر السماد واستقرار السوق، فإن ذلك يعطي بشكل غير مباشر دافعاً قوياً لدخول استثمارات زراعية جديدة، مستفيدة من أسعار الأسمدة الأقل واستقرار التوريد، دون التعرض لمواقف الاستيراد من الخارج بأسعار عالية.
وأضاف الدبس: هذا التوفير سيخفض تكلفة الزراعة، وبالتالي تنخفض أسعار المنتجات الغذائية في السوق الداخلية، بل قد يفسح المجال لتصدير بعض المنتجات الزراعية السورية، كما سيدفع المستثمرين الحاليين إلى توسعة مشاريعهم، ويجذب مستثمرين جدد سواء سوريين أو خارجيين مستفيدين من توفر المواد الأولية الرخيصة واليد العاملة والاستقرار.
فرص عمل وإيرادات عملة صعبة
ويؤكد الدبس أن المشروع سيوفر فرص عمل بالمئات بل الآلاف، متوقعاً أن يشغل المشروع نفسه ما بين 2000 إلى 5000 شخص بشكل مباشر وغير مباشرة، مع الحاجة الى خدمات النقل والخدمات اللوجستية والصيانة الخارجية والخدمات الطبية للموظفين، وهذه الخدمات غير مباشرة يقوم بها أشخاص خارج المشروع ولكن يستفيدون منه .
وأوضح الخبير الاقتصادي في ختام حديثه أن الفوائد الإجمالية تتلخص في توفير المادة الأولية (السماد) بشكل كامل ودائم بأسعار مقبولة ومعتدلة، وتوفير فرصة للتصدير وعودة القطع الأجنبي للحكومة السورية، بالإضافة إلى توفير قطع أجنبي كان سيُنفق على استيراد الأسمدة من الخارج، وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لآلاف الاشخاص، وانخفاض أسعار المواد الغذائية نتيجة انخفاض تكاليف الأسمدة والابتعاد عن تقلبات أسعار العملات وسلاسل التوريد، كما سيفتح المجال أمام المستثمرين لتطوير مشاريعهم أو بدء مشاريع زراعية جديدة.