معرض في بيت يباع.. حكاية ذاكرة وأب لم يغلبه الزهايمر 

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – لبنى شاكر:

اختبارٌ للسكينة؛ هكذا يصف الناقد التشكيلي حسين صقور الفينيق، الأشهر الثلاثة الأخيرة، والتي تعلّم فيها ما لم يتعلمه خلال حياته كلها، كما يقول، ولهذا ربما يأتي معرضه المُقام مُؤخراً بموازتها تحت مُسمى «ذاكرة وذكريات لعدة سويعات» محطةً مُغايرة لما قدّمه سابقاً، والسبب يأتي بدايةً من الدافع/المناسبة، التي جمعت بين تسليمه لبيته القديم حيث عرض لوحاته، قبيل انتقاله إلى آخر، واحتفاء بعودة أبيه بعد ظرف صحي ألمّ به.

تكريمٌ للأب

‌‏يتحدث الفينيق لـ «الحرية»: «سقوط أبي تلازم زمنياً مع ليلة توقيعي وإقراري بالبيع لبيتي، المكان الذي ولدت وترعرعت في ظله وظلاله، فنهشتني سوداوية الأفكار خلال تلك الفترة الممتدة ما بين تسليم واستلام، لكن ثقتي بصوابية القرار وإيماني وتسليمي بالأقدار كان أقوى من كل سواد، فحصدت مباركة متأخرة لأبي، بعد أن أدرك قيمة ما أصبو إليه كخطوة كنت أسعى من خلالها لكسر الروتين الممل، قاصداً التجديد في الحياة والعلاقات من جهة، وتقديم الدعامة الأولى لأبنائي علها تعينهم على مواجهة الحياة وتحدياتها».

أبي هو من أشعل فيّ تلك الروح الوثابة الساعية لتأكيد فرادتها 

ويرى الفينيق إن معرضه امتداد للذاكرة وترسيخ للذكريات، أقام جدرانه في منزله السابق قبل تسليمه بساعات، تكريماً لفضل أبيه الذي صاغ  كينونته وأيقظ وجدانه، مُشيراً إلى أنه يرى نفسه “ابن أبيه” الذي يُشبهه ويتشبه به، لذلك كان ولا زال ينبش تفاصيل حياته، ليربطها بسيرته ومسيرته، كاشفاً عن تشابه بينهما، رغم التمايز والاختلاف: “أبي هو من أشعل فيّ تلك الروح الوثابة الساعية لتأكيد فرادتها، أما الأثر الأقوى فيتجلى في كم المديح الذي خصني به في طفولتي، وحرمني منه في صباي، حتى أتعلم عدم التعلق بالشكليات”.

‏ما سبق، يبرر اختيار المكان والزمان برأيه، المكان بيتٌ يفوح بالذكريات، لا يجوز نقلها لمكان آخر قد يكون مدنساً بسوداوية المصالح والعلاقات، ‏والزمان يوم تسليمه لمنزله السابق، مع توجيه دعوة الحضور لأصحاب القلوب النقية والباقين في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل كما وصفهم، حيث يسعى المغفلون لطمس الإبداع ومحاصرة المبدع بكل السبل والوسائل على حد تعبيره، في حين كان ينشد “عالماً أكثر وعياً بأحقية المبدع بحياة كريمة، كمواز عادل لمخاض يعيشه قبل أن تصل لوحته لمرحلة النضج”، ومن ثم فالمناسبة هي الاحتفاء بعودة أبيه واستعادته لحياته وصحته.

حتى آخر نَفَس

وفي زاوية أخرى، يرى الفينيق أن لغز لوحته يتكشف من سر علاقته بأبيه، الذي عاش يتيماً ومع ذلك جسّد الأبوة بأسمى معانيها، يقول “لن أزخرف الكلمات فهي مهما حاولت لن تستطيع أن تدرك عمق التجربة والحياة التي عاشها أبي، ولكن سيبقى وجعي الأبدي أني لم أنبش في تفاصيل حياته سوى مؤخراً، وأني لم أسأله أو أستمع إليه كما يجب، ومعظم ما وصلني من سير عنه جاء على لسان الأقارب والمقربين منه. وفي لحظات مرافقتي له في المشفى، بدا الزهايمر واضحاً في تصرفاته وحركاته وكلماته، وكانت كلها تشير إلى أنه أضاع الأماكن والأسماء، لكن طباع أبي كانت تتحدى ذاكرته المعطوبة”.

مُضيفاً “‌‏ما لم أكن أستطيع فهمه حينها كيف يمكن لتلك الطباع المغروسة في روح والدي أن تتحدى ذاكرته المعطوبة ليواصل أسلوبه المميز عبر جمال لا يمكن وصفه، وهو يتحدث بمنتهى الرواق وبروح الدعابة مع مرافقي المرضى المتواجدين، بأسلوبه المميز كان يفرض محبته أما هم فيتقبلون بأن يصيروا تسليته وهو يشدهم عبر أسلوبه وعمق رؤاه، ‏ما لم أكن أستطيع فهمه أيضاً حينها، وهو العاجز عن تحريك قدميه، إصراره على أن ألبسه سرواله كي ينزل للحارة والدكان لمواصلة عمله من تنظيف وفرز للفواكه والخضر”.

سيبقى وجعي الأبدي أني لم أنبش في تفاصيل حياة أبي سوى مؤخراً.. وأني لم أسأله أو أستمع إليه كما يجب

‏هذا الإصرار على العمل حتى آخر نَفَس، يبدو لافتاً ومؤثراً في سيرة الأب، فحتى قبل أن يقع وقعته الأخيرة قبل شهرين، كانت أرجله بالكاد تحمله، لكنه كان أكثر إصراراً على النزول يومياً لبقاليته الصغيرة لمساندة أبنائه، ليس لحاجة منهم، لكنهم كانوا يستوعبون حاجته هو للقيام بأي عمل يشعره بأنه لازال على قيد العطاء، من هنا يخلص الفينيق إلى أن الروح الطيبة الطاهرة تهزم الموت: “أستطيع أن أفهم الآن أن الموت مهما حاول فهو لن يتمكن من الأرواح الطاهرة النقية والجميلة، حتى وإن نهش الأجساد نهشاً. حقيقتنا تتجلى عبر صفاء وصفوة أرواحنا المرتبطة بجسدٍ كونيٍّ يضمنا جميعاً، ‌‏ما أجمل روحك التي هزمت ولازالت تهزم الموت يا أبي”.

Leave a Comment
آخر الأخبار