الحرية – فادية مجد:
يمنح الطرب الأصيل روحه للإنسان المعاصر رغم تسارع الإيقاع اليومي وازدحام المسؤوليات، ويعيد إليه شيئاً من الهدوء الذي فقده وسط ضجيج الحياة، وتنهض الأغاني الطربية بكلماتها الرصينة، وألحانها العميقة، وأصواتها الخالدة، كنافذة صغيرة تُفتح في جدار الزمن لتسمح للضوء بالعبور.
ومع انتشار الأغاني السريعة وصعود الموسيقى التجارية، يبرز سؤال ملح: هل ما زال عشاق الطرب يستمعون إليه؟ وهل بقيت تلك الأغاني تمنحهم السكينة التي عرفوها؟
تكشف متابعة المشهد السمعي اليوم أن الطرب لم يغادر حياة الناس، بل أعاد تشكيل حضوره بطرق جديدة، يبدأ البعض صباحهم بصوت فيروز، وينهي آخرون يومهم مع أم كلثوم، بينما يرافق صوت عبد الوهاب المسافرين في رحلاتهم، وتتحول صفحات التواصل الاجتماعي إلى ملتقى يومي لأغاني الزمن الجميل، ليصبح الطرب ممارسة حيّة لا تنتمي إلى الماضي وحده، بل إلى حاضر يبحث فيه الإنسان عن لحظة صفاء تعيد إليه توازنه الداخلي.
الطرب كذاكرة لا تشيخ
تروي الشاعرة رفاه حبيب لـ«الحرية» أن علاقتها بالطرب بدأت منذ طفولتها، حين كانت السهرات العائلية تجمعهم حول صوت أم كلثوم وعبد الحليم ونجاة وصباح فخري، مشيرة إلى أنها كانت تجلس تحت ضوء القمر في مساءات الصيف وتدندن أغاني الست بعفوية ومحبة.
وأضافت: إن ذائقتها لم تتغيّر رغم مرور الزمن، وما زالت تغني مع زوجها على أنغام العود أغاني وردة وبليغ ونجاة، وتبدأ صباحها مع إذاعة دمشق وصوت فيروز، وتختم يومها بأغاني الزمن الجميل.
أما صفحتها على فيسبوك فقد تحولت إلى ملتقى يومي لعشاق الطرب، حيث تشارك متابعيها سهرة مسائية من الأغاني الأصيلة.
الطرب كتهذيب للذائقة
وترى المدرسة آمال أحمد أن الأغاني الطربية ما زالت قادرة على تصفية الذهن في زمن صعدت فيه الأغاني السريعة والسطحية، لافتة إلى أنها وأصدقاءها يستمعون لعبد الحليم ووردة وروائع أم كلثوم المعادة بأصوات آمال ماهر وصابر الرباعي وأنغام وجورج وسوف، لأنهم يجدون فيها مشاعر حقيقية وعمقاً فنياً. وأضافت أنها دفعت أبناءها للانضمام إلى الكورال منذ الصغر لتهذيب سمعهم ضد التلوث السمعي، حتى أصبحوا لا يتقبلون الأغاني السطحية، موضحة أن الطرب بالنسبة لها يلامس الوجدان ويستحضر أعمق الذكريات.
الطرب كسلطنة روحية
ويشير المحامي ياسر محرز إلى أن الاستماع للطرب يشكل حالة من السلطنة، تجمع الارتياح والانسجام الروحي، مبيناً أن الأغنية الطربية ليست للتسلية، بل تجربة متكاملة تقوم على الكلمة الرصينة واللحن المبتكر والأداء المدرّب.
ويتحدث عن أثر صباح فخري الذي يقدم حالة وجد صوفي، وكارم محمود بصوته الدافئ، وعبد الوهاب الذي حوّل الأغنية إلى لوحة سيمفونية، مشيراً إلى أنه يستمع يومياً للطرب أثناء قراءة الصحف أو أثناء السفر، كما كان يحضر حفلات المراكز الثقافية، ويشجع عائلته على سماع الطرب لأنه غذاء الروح.
الطرب كإيقاع بطيء يعاكس سرعة العصر
وقدّم سامي العلي رؤية مختلفة، إذ يرى أن استمرار حضور الطرب لا يعود فقط إلى الحنين أو القيمة الفنية، بل إلى حاجة الإنسان المعاصر إلى «إيقاع بطيء» يعاكس سرعة الحياة، لافتاً إلى أن الطرب يشبه تمريناً نفسياً يعيد المستمع إلى وتيرة أكثر إنسانية، وأن الأصوات القديمة تحمل ما يسميه «الزمن الداخلي»، أي الزمن الذي يشعر فيه الإنسان أنه يعيش اللحظة دون استعجال، مبيناً أن الطرب اليوم لم يعد حكراً على جيل معين، بل أصبح خياراً واعياً لدى الشباب الذين يبحثون عن موسيقى تمنحهم عمقاً لا توفره الأغاني السريعة.
فداء أحمد قالت: إن ذكرياتها مع الأغاني الطربية بدأت منذ سن الرابعة عشرة، حين كانت والدتها تستمع إلى أغاني وردة وهاني شاكر ونجاة، فتشربت عشق هذا اللون الطربي، وبدأت بشراء “كاسيتات” كل فترة، وما زالت مواظبة على سماع الأغاني في سهرة كل يوم، فبعد يوم طويل، لا بد لها من إنهاء يومها بسماع طرب يريح الأعصاب، تسترجع معه ذكريات جميلة، في زمن الأغاني السريعة التي لا تروق لها، مبينة أنها ستعمل على تسجيل أولادها في معهد موسيقي أو كورال، حتى ينمو لديهم الحس الجمالي والموسيقي، ويمارسون هواية جميلة بترديد أغاني الطرب الأصيل.
وأخيراً، يبقى الطرب الأصيل، رغم كل ما طرأ على الموسيقى من تغير، مساحة للحنين والصفاء والعودة إلى الذات. فالأغاني التي عبرت عقوداً طويلة، ما زالت قادرة على جمع العائلة، وتهذيب الذائقة، ومنح المستمع لحظة سلام في عالم سريع الإيقاع. وبين الأصوات الجديدة التي تعيد تقديم التراث، والجمهور الذي يورث أبناءه حب المقامات، والمنصات الرقمية التي تعيد إحياء الكلاسيكيات، يتأكد أن الطرب ليس مجرد ذكرى، بل ممارسة حيّة تتجدد كل يوم في قلوب عشاقه.