الفنان التشكيلي وحيد مغاربة: لكل مدينة لمستها اللونية في مسيرة التجربة

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- علي الرّاعي:

أقام الفنان التشكيلي وحيد مغاربة أول معرض احترافي لنتاجه الفني سنة 1961م، ثمّ كان لهذه التجربة الطويلة محطاتها في طريق رحلتها من حلب إلى بيروت، ومنها في إقامة طويلة بالعاصمة الإيطالية روما، قبل أن تؤدي إلى حلب في محطة نهائية.
حتى أنّ كل مدينة منحت لمسة لونية في تجربة وحيد مغاربة، وأن بقيت هذه التجربة وفية لمنابعها الشرقية في أكثر من انعطافة تشكيلية.

مسيرة إبداع

مناسبة هذا التمهيد؛ هو الكتاب الذي صدر عن الهيئة العامة السورية للكتاب– وزارة الثقافة للباحث طاهر البني بعنوان (وحيد مغاربة.. مسيرة الإبداع بين التأصيل والتحديث)؛ حيث يؤكد الباحث من خلاله على دور البيئة الشعبية في هذا النتاج الثّر لمغاربة الذي استمدّ مقومات شغله الفني عبر رؤية متفردة في صياغة الشكل لاسيما شغفه بالفنون المحلية والشعبية وحرصه على استظهارها والإفادة من حلولها التشكيلية.
وكان أول معرض له –قبل المعرض الاحترافي- قبل دراسته الأكاديمية في مركز فتحي محمد بحلب 1962م، وفي نفس المرحلة يُقيم معرضه الثاني في ذات الصالة في شغله التشكيلي الطويل الذي يُقيمه على ملامح فنية شعبية مغرقة في سوريتها.

عينٌ على الماضي.. عينٌ على المستقبل

رغم أن الفنان مغاربة لم يتخل في مسيرته نحو هدفه في الابتكار وابتداع الأشكال وتوظيف التقنيات المختلفة في صياغة لوحته مستفيداً من التجارب المميزة في مطلع السبعينيات، حيث تظهر التقاسيم والقطوع والزوايا من تأثيرات المدرسة التكعيبية في بنية الأشكال وتداخلها وانتقال الضوء والظل بين المساحات المتجاورة التي تخفي جانباً من الأشكال، كما تبدي جانباً آخر مبتعدة عن المباشرة ومفسحةً المجال للمخيلة في متابعة الشكل وتصور تفاصيله المتماهية في غياهب الظلال والعتمة على ما يقرأ البني في تفاصيل هذه التجربة.
فهو –مغاربة- يُقدم لوحته، وهو ينظر باتجاهين؛ صوب فنون محلية مغرقة في قدمها فيأخذ عن الأشوريين تلك الصلابة في الشكل، والوجه الغارق في الخوف والتأمل، كما يأخذ من النحت الفرعوني الأناقة والموسيقا، ويستفيد من الفن الإسلامي من الزخارف وذلك الخط الذي يدور ليروي حلم إنسان القرن العشرين في شرق تُحاصره الأحلام كما الهموم والرغبات من كلّ جانب..
هنا تكاد لوحاته أن تلامس الوحشية التي ملت النظر للعالم بعينٍ هادئة.

حلب قصدنا

وعندما يصل البني إلى أحدث محطات مسيرة هذه التجربة التي تزيد على نصف قرن من السنين، وأقصد بذلك بعد عودته إلى حلب، حيث أقام سلسلة معارض بعد غيابٍ عن المدينة امتدّ لخمسة عشر عاماً، حيث ظهرت في أعماله المفردات المحلية التي بقي وفياً لها، لكن بحلةٍ جديدة مطرزة بالروح الشرقية تمتدُّ جذورها إلى منمنمات التصوير الشرقي القديم من القرن الثالث عشر مبتعداً عن التوضعات اللونية القاتمة التي كانت تسود أعماله السابقة وساعياً لنشر الضياء في كلّ أرجاء اللوحة النابضة بالحس اللوني الدافئ والهادئ من خلال التوشيحات التي تغمر جوانب الشخوص والأشكال التي تتناوب فيها الألوان الزهرية والزرقاء والبنفسجية على أرضية ترابية تتوضع فيها الأشكال مطمئنة وادعة.

بغيمةٍ من الأزرق

تكوين آخر بقي وحيد مغاربة وفياً له في كلّ محطات تجربته الفنية، والتي نوّع عليه في الكثير من اللوحات، وأقصد بذلك “المرأة” التي بقيت الموضوع الأول الذي كان عبارة عن حامل لتوصيل رسالته الجمالية والفكرية إلى متلقي لوحته، حيث تبدو المرأة في مناخ شرقي تزييني ضمن علاقات ودودة مع الطيور والنباتات والأزهار والخيول وغيرها من الكائنات النبيلة، وقد بدت المرأة بأنوثتها تشي بمواقف عاطفية وإنسانية كما بانت براعة الفنان في معالجة الوجوه النسائية والأيدي بإحساس مرهف في الوقت الذي اكتست فيه الأجساد أردية موشاة بتأثيرات عفوية حيث تتسربل هذه التكوينات النسوية بغابةٍ وربما بغيمةٍ من الأزرق الخاص بوحيد مغاربة.

Leave a Comment
آخر الأخبار