أحمد خليفة.. حين تغيب الوجوه التي تشبه الناس

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية -ميسون شباني:

برحيل الفنان السوري أحمد خليفة، تفقد الساحة الفنية واحداً من وجوهها الهادئة التي لم تصنع حضورها بالضجيج، بل بالموهبة والتراكم والصدق. وعلى امتداد أكثر من نصف قرن، تنقّل الراحل بين المسرح والسينما والتلفزيون، وترك في كل مساحة بصمته الخاصة، ممثلاً ومسرحياً وصاحب معرفة دقيقة بذاكرة المكان ولهجته.

*تشكيل الذاكرة الفنية

وُلد أحمد خليفة في دمشق عام 1945، ونشأ في بيئة شعبية بسيطة، حمل منها ملامح المدينة القديمة، ولهجة أهلها، وتفاصيل الحياة التي ستصبح لاحقاً جزءاً من روحه الفنية. ومنذ سنواته الأولى، انجذب إلى الكلمة والمسرح، فبدأ علاقته بالفن باكراً، مدفوعاً بشغف صامت سيلازمه طوال حياته

*المسرح.. البدايات الأولى

كانت خشبة المسرح المحطة الأولى في مسيرة أحمد خليفة، ومنها بدأ تكوينه الحقيقي كممثل. في ستينيات القرن الماضي، انخرط في الحركة المسرحية السورية، وشارك في عروض مبكرة شكّلت وعيه الفني، قبل أن يرسخ حضوره في أعمال مسرحية بارزة، من بينها “حفلة سمر من أجل 5 حزيران”، و”المأساة المتفائلة”، و”السعد”.
في المسرح، تعلّم أحمد خليفة كيف يُبنى الحضور من الداخل، وكيف تمنح الشخصية وزنها الإنساني لا حجمها النصي.
لم يكن ممثلاً يستند إلى المبالغة، بل إلى الإحساس، وإلى تلك القدرة النادرة على جعل الدور قريباً من الناس، مهما بدا بسيطاً.

*السينما.. عبور هادئ إلى الشاشة الكبيرة

من المسرح، انتقل أحمد خليفة إلى السينما مطلع السبعينيات، حين سجّل واحدة من بداياته المبكرة في فيلم “فداك يا فلسطين” عام 1970، في تجربة حملت ملامح المرحلة السياسية والفنية آنذاك.
ثم تابع حضوره السينمائي في عدد من الأعمال، من بينها “زوجتي من الهيبز” عام 1973 إلى جانب دريد لحام ونهاد قلعي، قبل أن يشارك لاحقاً في أعمال تركت حضوراً لافتاً في السينما السورية، من بينها “أحلام المدينة”.
ورغم أن السينما لم تكن المساحة الأكثر اتساعاً في مسيرته، فإنها شكّلت محطة مهمة في صقل أدائه، ومنحته حساسية أكبر تجاه الصورة، والاقتصاد في التعبير، والقدرة على إيصال المعنى بأقل قدر من الانفعال وأكثر قدر من الصدق.

*التلفزيون.. المساحة الأوسع والوجه الأقرب

في التلفزيون، وجد أحمد خليفة مساحته الأرحب، وهناك رسّخ حضوره كواحد من أكثر الوجوه ألفة في الدراما السورية. لم يكن بطلاً تقليدياً، لكنه كان من أولئك الممثلين الذين يمنحون العمل ثقله، ويمنحون الشخصية صدقها، حتى في المساحات الصغيرة.
على مدى عقود، شارك في عشرات الأعمال التي شكّلت ذاكرة المشاهد السوري والعربي، أشهرها شخصية عبد العظيم واوية في مسلسل “يوميات مدير عام”، “يوميات جميل وهناء” وشارك في سلسلة النجوم الكوميدية من “عيلة خمس نجوم” و”عيلة ست نجوم” و”عيلة سبع نجوم”..
وعزز حضوره في أعمال البيئة الشامية وشارك بالعديد من الأعمال منها “الخوالي”، “ليالي الصالحية”، “باب الحارة”، “بيت جدي”، “أهل الراية”، “الحصرم الشامي”، “تخت شرقي”، “الزعيم”، “قمر شام”.
وكان له حضوره في الأعمال الاجتماعية مثل “أرواح عارية”، “العراب”،…وغيرها.
وفي كل هذه الأعمال، كان حضوره بسيطاً، لكنه راسخ. لم يكن يمرّ في المشهد مروراً عابراً، بل يترك فيه شيئاً من دفئه، ومن معرفته الدقيقة بالناس، وبالتفاصيل الصغيرة التي تصنع شخصية قابلة للتصديق.

*حارس اللهجة الشامية

إلى جانب التمثيل، لعب أحمد خليفة دوراً مهماً خلف الكاميرا، تمثل في تدقيق اللهجة الشامية في عدد من أعمال البيئة الدمشقية، حيث عُرف بكونه مرجعاً في تفاصيل اللغة ونبرتها وإيقاعها.
لم يتعامل مع اللهجة بوصفها مجرد نطق صحيح، بل بوصفها ذاكرة حيّة، تختزن روح المدينة وأسلوب أهلها في الكلام والحياة. وكان يرى أن اللهجة ليست زينة شكلية، بل جزء من صدق الشخصية وملامح المكان، لذلك حرص على أن تبقى أصيلة وقريبة من روح دمشق الحقيقية.
وقد كان آخر أعماله في هذا الجانب مسلسل “حارة القبة”، الذي شارك فيه أيضاً ممثلاً بشخصية “الشيخ هلال”، جامعاً بين الحضور أمام الكاميرا وخبرته خلفها.

حضور يبقى

لم يكن أحمد خليفة من نجوم الواجهة، لكنه كان من أولئك الذين يصنعون المعنى الحقيقي للفن. ممثلٌ لم يحتج إلى البطولة المطلقة كي يُرى، ولا إلى الصخب كي يُحفظ. اكتفى بأن يكون صادقاً، فبقي.
برحيله، تخسر الدراما السورية فناناً من طراز نادر، صنع مكانته بهدوء، وترك في المسرح أثره، وفي السينما حضوره، وفي التلفزيون وجهاً لن تنساه الذاكرة.

Leave a Comment
آخر الأخبار