الحرية- آلاء هشام عقدة :
إن إحداث “سوق دمشق الالكترونية للعملات الأجنبية والذهب” و المنصة المرتبطة بها، جزء لا يتجزأ من محاولة أوسع لإعادة بناء آليات التسعير في الاقتصاد السوري بعد سنوات من التشوهات النقدية فخلال العقد الأخير، لم يعد سعر الصرف الرسمي يعكس الواقع، بل تراجع وزن القنوات الرسمية في تلبية الطلب على الدولار، مقابل توسع السوق الموازية التي أصبحت في بعض الفترات تتحكم بأكثر من 70% من حجم التداول اليومي.
هذا الواقع خلق حالة من تعدد الأسعار، ليس فقط للعملات بل حتى للسلع، حيث يتم التسعير أحياناً على أساس سعر صرف غير معلن، ما يضعف التخطيط الاقتصادي.
الخبير الاقتصادي مهند الزنبركجي بينّ لـ”الحرية”، أن إنشاء سوق رسمي للعملات والذهب يأتي كمحاولة لنقل جزء من هذه الكتلة النقدية و التعاملات إلى إطار منظم. الفكرة ليست مجرد منصة تداول، بل أداة لإعادة اكتشاف السعر الحقيقي للعملة ضمن بيئة مراقبة.
ويضيف الزنبركجي: إذا ما افترضنا أن حجم التداول اليومي في السوق الموازية يقدر بعشرات ملايين الدولارات، فإن نجاح السوق الجديد في استقطاب حتى 10 إلى 15 مليون دولار يومياً في مرحلته الأولى سيكون مؤشراً إيجابياً، لأنه يعني بداية انتقال السيولة نحو القنوات الرسمية’ مع توسع المشاركة، يمكن أن يرتفع هذا الرقم تدريجياً ليصل إلى 40% أو حتى 50% من إجمالي السوق خلال عدة سنوات، إذا توفرت الشروط المناسبة.
وأشار الزنبركجي إلى أن إدخال الذهب في هذا السوق ليس تفصيلاً ثانوياً، بل عنصر مهم في إعادة الثقة. فالذهب تاريخياً يستخدم كملاذ آمن في الاقتصادات التي تعاني من تضخم مرتفع أو تراجع في العملة المحلية. في سوريا، حيث فقدت الليرة جزءاً كبيراً من قيمتها، اتجه قسم كبير من المواطنين إلى اكتناز الذهب أو الدولار. إذا وفر السوق إمكانية شراء و بيع الذهب بأسعار قريبة من العالمية مع هامش بسيط، فقد يتحول إلى قناة بديلة لحفظ القيمة داخل النظام المالي بدلاً من خارجه. على سبيل المثال، إذا تم تداول 1 إلى 2 طن من الذهب سنوياً عبر هذا السوق بشكل رسمي، فهذا يعني إدخال مئات ملايين الدولارات من القيمة ضمن الدورة الاقتصادية المنظمة.
آثار إيجابية
ونوه الزنبركجي بأن أحد أبرز الآثار الإيجابية المتوقعة هو تقليص فجوة المعلومات، فحالياً يعتمد المتعاملون على مصادر غير رسمية لمعرفة سعر الصرف، ما يفتح الباب للشائعات و المضاربات. بالتالي، فإن توحيد أو تقارب أسعار الصرف قد ينعكس على استقرار أسعار السلع، خاصة المستوردة، التي تتأثر مباشرة بسعر الدولار. إذا تم تقليص تقلبات سعر الصرف اليومية من مستويات قد تصل إلى 5–10% في بعض الفترات إلى أقل من 2%، فإن ذلك ينعكس مباشرة على كلفة الاستيراد والتسعير.
كما إن السوق الجديد قد يعزز قدرة المصرف المركزي على إدارة السيولة. بدلاً من التدخل العشوائي أو عبر قنوات محدودة، يمكنه استخدام السوق كأداة تدخل غير مباشر، من خلال ضخ أو سحب العملات الأجنبية وفق الحاجة. هذا يشبه ما تقوم به العديد من البنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة، حيث يتم استخدام منصات تداول رسمية لتوجيه السوق بدلاً من فرض أسعار إدارية. و إذا تمكن المصرف من زيادة احتياطاته الأجنبية حتى بنسبة 10–15% عبر جذب الحوالات والتدفقات الرسمية، فسيكون لديه هامش أكبر للدفاع عن العملة في أوقات الضغط.
جملة تحديات
لكن في المقابل، التحديات عميقة. أولها يتعلق بالثقة، و هي ليست مسألة تقنية بل تراكمية. المتعامل الذي اعتاد على السوق الموازية لن ينتقل بسهولة إلا إذا وجد سعراً منافساً وإجراءات سهلة. أي فارق كبير، حتى لو كان 5% فقط، قد يدفعه للبقاء خارج السوق الرسمي. كما إن القيود على السحب أو التحويل قد تقوض جاذبية السوق.
التحدي الثاني هو محدودية العرض من العملات الأجنبية. فالاقتصاد السوري يعاني من ضعف في الصادرات و تراجع في الاستثمارات، ما يعني أن مصادر الدولار محدودة نسبياً. إذا لم يتم تغذية السوق بشكل كاف، فقد يتحول إلى منصة ذات حجم تداول ضعيف، غير قادرة على التأثير الحقيقي في السعر. في هذه الحالة، قد يستمر السعر الموازي كمرجعية فعلية، و يصبح السوق الجديد مجرد واجهة.
هناك أيضاً مخاطر المضاربة المنظمة. وجود منصة رسمية قد يجذب حيتان سوق كبار، يحاولون التأثير على السعر لتحقيق أرباح سريعة، خاصة في ظل ضعف الأدوات الرقابية. إذا لم يتم ضبط هذه العمليات، قد نشهد تقلبات حادة بدلاً من الاستقرار.
بالتأكيد، إن إحداث سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب يحمل إمكانية إحداث تحول نسبي في بنية السوق النقدي، لكنه مشروع يعتمد برمته على استعادة الثقة و يعتمد على تفاصيل هامة في مراحل التنفيذ.
إذا ما تم تصميمه بطريقة مرنة وشفافة، مع أسعار قريبة من الواقع، و دعم بسياسات اقتصادية متكاملة، فقد يساهم خلال 2 إلى 3 سنوات في تقليص دور السوق الموازية بشكل ملموس و تحقيق درجة من الاستقرار. أما إذا بقي مقيداً أو بعيداً عن آليات السوق، فسيواجه صعوبة في جذب السيولة، و يظل تأثيره محدوداً و رمزياً.