من الترميم إلى التمكين.. إعادة تأهيل المؤسسات العامة تحتاج خريطة طريق

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- آلاء هشام عقدة: 

لا تكمن معضلة المؤسسات العامة فقط في نقص الموارد المادية اليوم، بل في التكلس التنظيمي الذي عمقته سنوات الحرب، ما جعل الفجوة تتسع بين الأداء المؤسسي وبين الاحتياجات الحقيقية للنهوض. إعادة التأهيل الحقيقية ليست عملية تجميلية لرفع العتب، فالتأهيل الحقيقي يحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة تبدأ من القاعدة الفكرية للمؤسسة وصولاً إلى مخرجاتها الخدمية.

الدكتورة ريم عيسى أستاذ مساعد في كلية الاقتصاد- جامعة اللاذقيه بينتّ لـ “الحرية” ملامح خريطة الطريق الإجرائية المقترحة لهذا التحول:

أولاً. الانتقال من الإدارة الورقية إلى “الحوكمة الرقمية”

الرقمنة في سوريا لم تعد رفاهية المواكبة السطحية للعصر، اليوم بالذات هي ضرورة ملحة لكسر حلقات الفساد

البيروقراطي. وبالتالي لا بد من البدء بأتمتة المسارات الحرجة التي ترتبط مباشرة بمعاملات المواطنين، لتقليل الاحتكاك المباشر وضمان شفافية البيانات. التكنولوجيا هنا تعمل كرقيب صامت ومحايد، وبالتالي فهي تعمل كرافعة.

ثانياً. الاستثمار في رأس المال البشر النوعي وتضيف الدكتور عيسى

تعاني المؤسسات من نزيف الخبرات وتراجع الحافز، فالكثير من الأفراد استنزفوا خلال المرحلة الماضية في البحث عن لقمة العيش، وهو ما جعلهم بعيدين كل البعد عن مواكبة المعارف والمهارات، الأمر الذي سحب طاقاتهم وقدراتهم وبالتالي حافزهم للعمل والابتكار، ومن البديهي إدراك أنه لا يمكن بناء مؤسسة قوية بموظف محبط.

يتطلب الوضع القائم تبني سياسة التوظيف القائم على الجدارة (Meritocracy)  بعيداً عن المحاصصة أو الأقدمية الجامدة. نحن بحاجة لإطلاق برامج إعادة تأهيل القيادات الوسطى لتكون هي المحرك للتغيير، مع ربط الحوافز بالأداء الملموس(KPIs).

ثالثاً. مأسسة الشراكة مع القطاع الخاص والمنظمات الأهلية

لم يعد بمقدور الدولة، في ظل الميزانيات المحدودة، أن تكون المشغل والممول الوحيد، وهو ما يتطلب صياغة أطر قانونية

مرنة لعقود (PPP ) الشراكة بين القطاعين العام والخاص- تضمن الحفاظ على ملكية الدولة للأصول مع الاستفادة من كفاءة القطاع الخاص في الإدارة والتشغيل، خاصة في قطاعات الخدمات اللوجستية والطاقة البديلة.

رابعاً. المرونة التنظيمية عبر إعادة صياغة التشريعات

وتشير الدكتور عيسى إلى أن الكثير من المؤسسات تعاني من تضارب الصلاحيات وقوانين تعود لعقود مضت لا تناسب اقتصاديات المرحلة الراهنة، وبالتالي لا بد من القيام بجرد التشريعات المعرقلة وإلغاء الازدواجية التنظيمية. المؤسسة الناجحة هي التي تمتلك مرونة اتخاذ القرار في مستوياتها الدنيا بما لا يعرقل سير العمل الذي يمكن أن يبرر بالارتهان لمركزية القرار.

خامساً. إرساء نظام المساءلة المهنية الموضوعية كأداة للرقابة الداخلية لا يستقيم الإصلاح دون نظام مساءلة يتجاوز الأطر الشخصية أو الانتقائية، ليصبح جزءاً بنيوياً من دورة العمل اليومية ويتحقق ذلك عبر الانتقال من الرقابة الزجرية التقليدية إلى الرقابة الوقائية المبنية على معايير مهنية واضحة. يجب أن تستند المساءلة إلى تقارير الأداء الفنية والبيانات الرقمية (المستمدة من الحوكمة الرقمية) بشكل ينفي عنها صفة الشخصنة أو التحيز. إن وجود نظام مساءلة غير ذاتي يمنح الموظف الكفء الأمان المهني، ويضع المقصر أمام مرآة نتائجه مباشرة، الأمر الذي يجعل الرقابة الداخلية حائط صد أول ضد الانحراف الإداري قبل وقوعه.

سادساً. تعزيز المسؤولية الاجتماعية والأخلاقيات المهنية

في بلدان ما بعد النزاع، تفقد المؤسسة قيمتها إذا فقدت ثقة الجمهور، وهو ما يمكن تلافيه بإرساء مدونات سلوك وظيفي

ملزمة، وتفعيل قنوات حقيقية للتغذية الراجعة من المواطنين. إن استعادة الثقة هي الوقود الأول لأي عملية إصلاح.

في الختام يمكن القول أن إعادة تأهيل المؤسسات في سورية ليست مجرد ترميم للجدران أو شراء معدات؛ إنها عملية

“أنسنة” للبيروقراطية وتحديث للعقل الإداري. إننا نحتاج إلى الانتقال من منطق تصريف الأعمال إلى منطق صناعة القيمة.

فالمؤسسات هي العمود الفقري للدولة، وإذا صلح العمود، استقام الجسد الوطني كله.

Leave a Comment
آخر الأخبار