الحرية_ رشا عيسى:
أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة عن انسحابها من منظمة “أوبك” وتحالف “أوبك+”، في خطوة غير مسبوقة تُنهي أكثر من خمسة عقود من الالتزام الجماعي، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل توازنات العرض والطلب في سوق النفط، و يأتي هذا القرار في ظل تصاعد التوترات في مضيق هرمز وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية، حيث لا يمكن قراءته من زاوية اقتصادية ضيقة فقط، بل يتطلب تفكيكاً متعدد الأبعاد يشمل السياسة والأمن والاستراتيجيات التنموية. وفي هذا الإطار، تتقاطع آراء الخبير الاقتصادي المتخصص في الاقتصاد القطاعي والإنتاجي الدكتور هشام الخياط، والباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي، في حديثهما لـ”الحرية”لتقديم صورة أكثر شمولاً لما يجري .
إعادة تموضع استراتيجي
ويرى الدكتور الخياط أن الانسحاب الإماراتي يعكس بالدرجة الأولى رغبة واضحة في التحرر من قيود الحصص الإنتاجية التي فرضها تحالف “أوبك+” خلال السنوات الماضية، والتي حدّت من قدرة أبوظبي على استثمار طاقتها الإنتاجية المتنامية، فالإمارات التي رفعت قدرتها إلى ما يقارب 5 ملايين برميل يومياً، مع طموحات للوصول إلى 6 ملايين، تجد نفسها اليوم أمام فرصة تاريخية لتعظيم إيراداتها النفطية في ظل أسعار مرتفعة غير أن هذه النظرة الاقتصادية، على أهميتها، لا تختزل المشهد بالكامل، إذ يذهب المهندس كويفي إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن القرار يمثل تحولاً جذرياً في السياسة الإماراتية، وإعادة تموضع في النظامين الإقليمي والدولي. فبرأيه، لم يعد النفط مجرد أداة اقتصادية، بل أصبح ورقة سيادية تُستخدم لإعادة رسم العلاقات والتحالفات.
هل تتحول سوريا إلى “جسراً طاقوياً” بين الشرق والغرب؟
توقيت حرج
يؤكد الخياط أن توقيت القرار ليس تفصيلاً عابراً، بل عنصر أساسي في فهم أبعاده، فالأسواق تعيش حالة توتر غير مسبوقة نتيجة اضطرابات الإمدادات عبر مضيق هرمز، ما دفع الأسعار إلى تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، وبالتالي فإن أي تغيير في سياسات الإنتاج، خاصة من دولة بحجم الإمارات، يحمل تأثيرات تتجاوز حدودها الجغرافية، ومن جهته يربط كويفي هذا التوقيت بالسياق الجيوسياسي الأوسع، مشيراً إلى أن الخطوة قد تنسجم مع تحولات دولية، لا سيما في ظل توجهات أميركية معارضة للتكتلات النفطية، وسعي لإعادة توزيع النفوذ داخل سوق الطاقة وتقليص قدرة “أوبك+” على التحكم الجماعي في الأسعار.
اختبار وجودي
يشدد الدكتور الخياط على أن خروج الإمارات يشكل ضربة مباشرة لتماسك تحالف “أوبك+”، الذي كان خلال السنوات الماضية أحد أهم أدوات ضبط السوق عبر التنسيق الجماعي، ويحذر من أن هذه الخطوة قد تشجع دولاً أخرى على إعادة النظر في التزاماتها، ما يهدد بإضعاف قدرة المنظمة على التأثير في السوق، أما المهندس كويفي، فيصف الانسحاب بأنه “زلزال سياسي” داخل المنظمة، قد يعيد رسم خارطة التحالفات النفطية، ويفتح الباب أمام مرحلة تتراجع فيها فعالية العمل الجماعي لصالح سياسات فردية تقودها المصالح الوطنية.
زيادة المعروض
يتوقع الخياط أن يؤدي الانسحاب إلى زيادة محتملة في المعروض النفطي على المدى المتوسط، مع قدرة الإمارات على رفع إنتاجها دون قيود، ما قد يساهم في تهدئة الأسعار إذا استقرت الأوضاع الإقليمية.لكن كويفي يحذر من سيناريو موازٍ، يتمثل في اندلاع “حرب حصص” أو حتى “حرب أسعار”، إذا شعرت الدول الملتزمة بأن هناك من يستفيد دون التقيد بالحصص ، ويستحضر مفهوم “المستفيدين المجانيين” في الاقتصاد السياسي، ما قد يؤدي إلى تفكك آليات الانضباط داخل السوق النفطي.
معادلة معقدة
في البعد الأمني، يلفت كويفي إلى أن القرار يعكس انتقالاً نحو “قومية اقتصادية” تضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار تضامني، خاصة في ظل التوترات في الخليج، ويرى أن هذا التوجه قد يعمّق التباينات الإقليمية ويؤثر على توازنات الأمن القومي، ويتقاطع ذلك مع طرح الخياط، الذي يشير إلى أن المرونة التي يمنحها الانسحاب للإمارات تعزز قدرتها على الاستجابة للأزمات، لكنها قد تزيد أيضاً من حالة عدم اليقين في السوق العالمية.
سباق الزمن
الخبيران يتفقان على أن أحد أهم دوافع القرار يكمن في البعد التنموي، فالإمارات تسعى إلى تعظيم إيراداتها النفطية لدعم التحول الاقتصادي والاستثمار في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا، ويحذر كويفي من خطر “الأصول العالقة”، حيث قد تفقد الاحتياطات النفطية قيمتها مع تراجع الطلب العالمي مستقبلاً، ما يدفع الإمارات إلى تسريع الإنتاج واستثمار العائدات، بالتوازي مع تعزيز مكانة خام “مربان” كمؤشر عالمي منافس ، ويرى الخياط أن كبار المستهلكين، مثل الصين والهند وأوروبا، قد يستفيدون من زيادة المعروض واستقرار الأسعار نسبياً على المدى المتوسط.في المقابل، يشير كويفي إلى أن غياب التنسيق قد يجعل السوق أكثر عرضة للتقلبات، ما يرفع مستوى المخاطر في بيئة طاقة أصلاً مضطربة.
سوريا الجديدة
يطرح المهندس كويفي بعداً إضافياً يتمثل في إمكانية بروز ما يسميه “سوريا الجديدة” كلاعب محوري في معادلة أمن الطاقة العالمي، ضمن ما يُعرف بـ”سياسات خطوط الأنابيب” (Pipeline Politics).فبحسب كويفي، يمكن للجغرافيا السورية أن تشكل بديلاً برياً استراتيجياً لنقل النفط والغاز من الخليج والعراق إلى البحر المتوسط، متجاوزةً نقاط الاختناق التقليدية مثل مضيق هرمز وباب المندب، اللذين يبقيان عرضة للتوترات الجيوسياسية.
هذا التحول من شأنه أن يجعل من سوريا “جسراً طاقوياً” يربط الشرق بالغرب، ويقلل من كلفة التأمين والشحن، ويعزز أمن الإمدادات إلى أوروبا، كما يشير إلى أهمية إحياء مشاريع الربط الإقليمي، مثل خطوط الأنابيب بين العراق وسوريا، وعلى رأسها تطوير خط كركوك–بانياس، إلى جانب مشاريع الربط السككي لنقل النفط ومشتقاته، هذه المشاريع في حال تفعيلها، قد تحول الموانئ السورية مثل طرطوس واللاذقية وبانياس إلى مراكز ثقل في التجارة العالمية للطاقة، ولا يتوقف الطرح عند النفط والغاز، إذ يرى كويفي أن سوريا تمتلك أيضاً مقومات التحول إلى مركز إقليمي للطاقة الخضراء، بفضل موقعها الجغرافي ومناخها الملائم، ويمكن لها أن تلعب دور محطة ربط كهربائي بين دول الخليج المنتجة للطاقة النظيفة (بما فيها الهيدروجين) والأسواق الأوروبية، ما يعزز موقعها في معادلة الطاقة المستقبلية. نهاية حقبة وبداية أخرى لا يمكن النظر إلى انسحاب الإمارات من “أوبك+” كخطوة اقتصادية معزولة، بل كجزء من تحولات أوسع تعيد تشكيل النظام النفطي العالمي.فبينما يراه الدكتور الخياط انتقالاً نحو مرونة إنتاجية قد تعيد التوازن للسوق، يعتبره المهندس كويفي مؤشراً على إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات، وفتح الباب أمام أدوار جديدة لدول وممرات بديلة في عالم الطاقة.
وكانت الإمارات العربية المتحدة أعلنت انسحابها من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وتحالف أوبك+، على أن يدخل القرار حيّز التنفيذ اعتباراً من الأول من أيار المقبل، وتأسست منظمة أوبك العالمية عام 1960 من قِبل إيران والعراق والكويت والسعودية وفنزويلا، ثم انضم إلى الأعضاء الخمسة، عشر دول أخرى في الفترة الواقعة ما بين 1960- 2018.وجمدت بعض الدول عضويتها وأعادت تفعيلها عدة مرات، وهذه الدول العشرة هي بالترتيب: قطر وإندونيسا وليبيا والإمارات والجزائر ونيجيريا وإكوادور وأنغولا والغابون وغينيا الاستوائية وكانت آخرها الكونغو عام 2018.