الحرية – ماجد مخيبر:
في عصر تتصدر فيه منصات التواصل الاجتماعي مشاهد الحياة “المثالية”، أصبح الضغط للظهور بسعادة دائمة يطارد الكثيرين، وكأن الحزن أصبح عيباً يجب إخفاؤه. فبينما يرى علماء النفس أن التفكير الإيجابي المعتدل هو وقاية نفسية، حذرت دراسات حديثة من تحوله إلى “إيجابية سامة” قد تتحول إلى قنبلة موقوتة تنفجر في الصحة النفسية للإنسان. فما هي هذه الظاهرة؟ وكيف نفرق بين التفاؤل الصحي والقناع المزيف؟
الإيجابية السامة.. عندما يتحول التفاؤل إلى عبء
تؤكد الاختصاصية النفسية والاجتماعية الدكتورة ربا أحمد مزيد، في تصريح لـ«الحرية»، أن التفكير الإيجابي يعد ركيزة أساسية في بناء الصلابة النفسية، فهو يمد الإنسان بالأمل ويمنحه القدرة على تجاوز المحن، غير أن الإفراط في الترويج لهذا المبدأ، دون اعتبار للواقع المعاشي، قد يحوله إلى سلوك قهري يُعرف في الأدبيات النفسية بـ«الإيجابية السامة».
وهذه الحالة باتت تنتشر خصوصاً في ثقافات العمل وسلاسل التنمية الذاتية، وتجبر الفرد على كبت انفعالاته الحقيقية وارتداء قناع مصطنع من الرضا، حتى عندما يكون في أمس الحاجة إلى البكاء أو الغضب.
أبعاد اجتماعية واقتصادية
ولا تقتصر الإيجابية السامة، وفق ما تشير الدكتورة مزيد، على العلاقات الشخصية، بل تسللت إلى بيئات العمل، حيث أصبح الموظف يُلام إذا أبدى توتره أو إحباطه من ضغط المهام، ويُطلب منه «ترك السلبية خارج المكتب»، هذا التوجه، وفق خبراء التنظيم المؤسسي، يؤدي إلى تراجع الإنتاجية على المدى البعيد، لأن الموظفين يخسرون مساحاتهم الآمنة للتعبير عن تحدياتهم الحقيقية، ما يرفع معدلات الإرهاق والاستقالات الصامتة.
وتؤكد الدكتورة مزيد أن معظم علماء النفس يؤكدون أن التفكير الإيجابي المعتدل يعد وسيلة فعالة لتعزيز الصحة النفسية، إذ يساعد الفرد على مواجهة الضغوط، ويزيد من قدرته على التكيف مع الأزمات، ويمنحه الأمل في المستقبل، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التفاؤل إلى إلزام دائم، فيُطلب من الإنسان أن يبتسم رغم ألمه، أو يتجاهل حزنه وغضبه بدلاً من التعبير عنهما ومعالجتهما، ويُعرف هذا النمط باسم الإيجابية السامة، أي الضغط المستمر لإظهار مشاعر إيجابية وإنكار المشاعر السلبية مهما كانت الظروف.
التفاؤل الصحي يختلف عن الإيجابية السامة
تظهر الإيجابية السامة في عبارات شائعة مثل: «لا تحزن»، أو «فكر بإيجابية فقط»، أو «كل شيء يحدث لسبب»، ورغم أن هذه العبارات قد تُقال بنية طيبة، فإنها قد تقلل من شأن معاناة الآخرين وتدفعهم إلى كبت مشاعرهم الحقيقية، وتشير دراسات نفسية إلى أن قمع المشاعر لفترات طويلة قد يزيد من مستويات التوتر والقلق، ويؤثر سلباً في الصحة النفسية، لأن الإنسان يحتاج إلى الاعتراف بمشاعره والتعامل معها بدلاً من إنكارها.
ولا يعني ذلك، وفقاً للباحثة الاجتماعية الدكتورة مزيد، أن التفاؤل أمر سلبي، بل إن التفاؤل الصحي يختلف تماماً عن الإيجابية السامة، فالتفاؤل الواقعي يعترف بوجود الألم والصعوبات، لكنه يمنح صاحبه الثقة بقدرته على تجاوزها، أما الإيجابية السامة فتنكر الواقع، وتفرض السعادة كواجب دائم، مما قد يؤدي إلى الشعور بالذنب أو الفشل عندما يمر الإنسان بتجارب مؤلمة.
وللوقاية من هذه الظاهرة، تشير الدكتورة مزيد إلى أنه ينصح بتقبل جميع المشاعر الإنسانية، سواء كانت إيجابية أم سلبية، والتعبير عنها بطريقة صحية، إضافة إلى تقديم الدعم للآخرين بالاستماع إليهم بدلاً من إطلاق العبارات الجاهزة التي تقلل من معاناتهم، فالحزن والغضب والخوف ليست علامات ضعف، بل مشاعر طبيعية تساعد الإنسان على فهم نفسه والتعامل مع تحديات الحياة.
المخاطر النفسية والاجتماعية
يعتمد حجم الخطر على درجة الإيجابية السامة ومدتها، فالتفكير الإيجابي المتوازن ليس خطراً، بل هو عامل حماية للصحة النفسية، أما عندما يتحول إلى إنكار دائم للمشاعر والواقع، فقد تكون له آثار نفسية واجتماعية واضحة، من أبرز المخاطر التي يشير إليها علماء النفس:
– تراكم الضغوط النفسية: كبت الحزن أو الغضب لا يزيلهما، بل قد يؤدي إلى زيادة التوتر والقلق مع مرور الوقت.
– ارتفاع خطر الاكتئاب والقلق: عندما يشعر الإنسان بأنه يجب أن يكون سعيداً دائماً، قد يلوم نفسه عند الشعور بالحزن، مما يزيد من معاناته.
– ضعف العلاقات الاجتماعية: التظاهر المستمر بأن كل شيء على ما يرام قد يمنع الآخرين من فهم احتياجات الشخص أو تقديم الدعم له.
– الإرهاق النفسي: محاولة الحفاظ على صورة مثالية وإخفاء المشاعر الحقيقية تتطلب جهداً مستمراً، وقد تؤدي إلى الإنهاك العاطفي.
– تأخر طلب المساعدة: قد يتردد الشخص في استشارة مختص أو طلب الدعم لأنه يعتقد أن عليه حل مشكلاته بنفسه أو “التفكير بإيجابية فقط”.
ومع ذلك، من المهم وضع هذه المخاطر في سياقها الصحيح، فالإيجابية السامة ليست اضطراباً نفسياً مستقلاً، ولا تعني أن كل من يحاول أن يكون متفائلاً سيتعرض لهذه المشكلات، لكنها تصبح مقلقة عندما تتحول إلى نمط دائم من إنكار المشاعر وكبتها ورفض الاعتراف بالصعوبات.
ويمكن اعتبار حجم الخطر متوسطاً إلى مرتفع إذا استمرت الإيجابية السامة لفترات طويلة وأدت إلى كبت المشاعر ومنع الشخص من التعبير عنها أو طلب المساعدة، أما التفاؤل الواقعي، الذي يعترف بالألم ويبحث عن حلول، فهو من أهم عوامل تعزيز الصحة النفسية، كما تؤكد الاختصاصية النفسية والاجتماعية الدكتورة مزيد.
الدروس المستفادة
في النهاية، تبقى المشاعر الإنسانية بكل أطيافها جزءاً من تكويننا الفطري، ولا يجوز اختزالها في صورة نمطية مبتسمة، التحرر من الإيجابية السامة لا يعني التشاؤم، بل هو دعوة لأن نكون أكثر صدقاً مع أنفسنا ومع من نحب، فالشفاء الحقيقي يبدأ عندما نمنح أنفسنا الإذن بالشعور بكل ما يجول في داخلنا، دون تزييف أو خوف، فالحزن ليس عيباً، والغضب ليس فشلاً، والقوة ليست في إخفاء الألم، بل في مواجهته بوعي وشجاعة.
وتبقى السعادة هدفاً مشروعاً، لكنها لا تعني إنكار الألم أو تجاهله، فالصحة النفسية الحقيقية تقوم على تحقيق التوازن بين الأمل والواقعية، والاعتراف بأن الإنسان ليس مطالباً بأن يكون سعيداً طوال الوقت، بل أن يعيش مشاعره بصدق ويتعامل معها بطريقة صحية.