التجارة الإلكترونية.. سوق موازية بلا ضوابط ومخاوف من غش واحتيال

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – بادية ونوس:

تفرض التجارة الإلكترونية نفسها كسوق موازية للسوق التقليدية، بفضل ما توفره من تجربة تسوق مريحة وعرض شامل لمختلف السلع، لكن المؤشرات تشير إلى أن هذه التجارة تكاد تفرض وجودها كبديل حقيقي، لكنها تفتقر إلى الضوابط والمعايير، بل وحتى المصداقية، إذ أصبح بمقدور أي شخص أن يعمل في التسويق الإلكتروني بمجرد حجز حيز صغير على هذا الفضاء الواسع.
هذا الواقع يثير تساؤلات عدة: ما أهمية هذا التحول في ظل تطور التجارة الرقمية؟ وهل هناك قوانين تحمي المستهلك من الاحتيال أو الاستغلال؟ وما الضوابط التي يمكن أن تنظم هذه السوق؟

من الواقع.. بين الإقبال والحذر

يرى الكثيرون أن التسويق الإلكتروني فكرة حضارية توفر الجهد والوقت والتعب، كما يقول الشاب أحمد (موظف)، مشيراً إلى أنه يمكن الاطلاع على مواصفات البضاعة بكل يسر وسهولة، لكنه يضيف إن السلعة قد تكون مخالفة للمواصفات وبأسعار مرتفعة جداً على أرض الواقع.
أما رغد (طالبة جامعية) فتفضل التسوق عبر السوق التقليدية، ولا تلجأ إلى الشراء الإلكتروني إلا في حالات نادرة، بعد التأكد من مواصفات البضاعة وجودتها، مؤكدة أن المصداقية نادراً ما تكون موجودة في هذا النوع من الشراء.

تخفيض تكاليف.. وقفزات هائلة عالمياً

ويشهد قطاع التجارة الإلكترونية قفزات هائلة عالمياً، حيث من المتوقع بحلول عام 2026 أن تمثل نحو 24% من إجمالي مبيعات التجزئة عالمياً، مقارنة بنحو 21% في عام 2024، ومن المتوقع أن تصل مبيعات التجارة الإلكترونية العالمية إلى 8.5 تريليونات دولار في العام 2026، مع وجود نحو 2.86 مليار متسوق رقمي حول العالم.

د. يوسف: ضرورة تفعيل قوانين المعاملات الإلكترونية لتنظيم هذه التجارة وحماية المستهلك من الاحتيال

ووفقاً للباحث الاقتصادي الدكتور مظهر اليوسف، فإن للتجارة الإلكترونية مزايا كبيرة للمستهلك والمنتج على حد سواء، فهي تتيح الوصول إلى أسواق أوسع على مدار الساعة، وتخفض التكاليف ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار للمستهلك وزيادة الأرباح للمنتج، كما تتيح دقة أكبر في استهداف العملاء وتصميم عروض ومنتجات تناسب كل شريحة استهلاكية، وتوفر للمستهلك تجربة تسوق مريحة مع توثيق العمليات وتحليل البيانات، كما تمنحه فرصة المقارنة الفورية بين الأسعار والاطلاع على آراء المستخدمين الحقيقيين، ما يجعله أكثر وعياً وقدرة على اتخاذ قرارات شرائية أفضل.

لا تزال سوقاً ناشئة

وبحسب ما أكده الدكتور اليوسف لـ«الحرية»، فقد تترافق هذه الإيجابيات مع سلبيات قائمة، على رأسها المخاوف والهجمات الإلكترونية وانتهاكات البيانات ومخاطر الاحتيال، بالإضافة إلى المنافسة الشديدة وتشبع الأسواق خارجياً، ما يسبب صعوبة في الحصول على عملاء في سوريا، مشيراً إلى أن التجارة الإلكترونية لا تزال سوقاً ناشئة وغير مشبعة، ما يوفر فرصاً هائلة للمستثمرين ورواد الأعمال لدخول هذا المجال وتقديم خدمات مبتكرة لم تلقَ بعد منافسة حقيقية.

ضعف المصداقية وغياب البنية التحتية

في المقابل، تبقى المعاناة مضاعفة، حيث يشكو المستهلك من ضعف المصداقية، بالإضافة إلى ضعف البنية التحتية للإنترنت، وعدم توفر منصات الدفع الإلكتروني، وعدم وجود شركات نقل وتوصيل متخصصة في التجارة الإلكترونية، حيث يتم الشحن والتوصيل غالباً بشكل شخصي ضمن المدينة الواحدة أو عبر شركات النقل بين المحافظات.

«السعر على الخاص».. ظاهرة مزعجة للمستهلك

يضاف إلى ذلك ما قد يتعرض له المستهلك من غش أو احتيال، خاصة أن كثيراً من المسوقين عبر الإنترنت ليس لديهم سجل تجاري أو متجر ثابت أو مكان محدد، وبعضهم يرفض تبديل السلعة أو إرجاعها، إضافة إلى أن أغلبهم يروّج لمنتجاته دون تسعير واضح «السعر على الخاص»، خاصة في ظل وجود مئات الصفحات والمواقع الإلكترونية المرخصة وغير المرخصة في سوريا التي تمارس التجارة عبر الإنترنت.

تفعيل قوانين.. لكنها غير كافية

يرى الدكتور اليوسف أن سبب هذه المعاناة يعود إلى عدم تفعيل القوانين المتعلقة بالتجارة الإلكترونية رغم وجودها، مثل قانون المعاملات الإلكترونية «رقم 3 لعام 2014» الذي ينظم المعاملات الإلكترونية في سوريا بما في ذلك التجارة الإلكترونية، ويحدد ضوابط لحماية المستهلك الإلكتروني، مثل ضمان الشفافية في التسويق الإلكتروني.
كذلك أصدرت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في العام 2021 قراراً يمنع العمل في التجارة الإلكترونية دون الحصول على سجل تجاري، بالإضافة إلى حظر الإعلان عن منتجات سامة، مغشوشة، فاسدة، ضارة بالصحة، أو منتهية الصلاحية، وتم إلزام التجار بتقديم فاتورة نظامية تتضمن سعر المبيع والكمية، وتكون قابلة للحفظ والطباعة، حيث يُعتبر عدم الإفصاح الواضح عن الأسعار مخالفة قانونية يعاقب عليها.
أما فيما يتعلق بضوابط الدفع الإلكتروني، فقد نظمها مصرف سوريا المركزي من خلال السماح للشركات التي تعمل في مجال الدفع الإلكتروني بالتعاون مع المصارف لإصدار بطاقات ذات علامة تجارية مشتركة بموجب عقود خاصة، مع اقتصار إدارة الأرصدة الخاصة بالدفع الإلكتروني على المصارف.
على الرغم من وجود قوانين ولوائح لحماية حقوق المستهلكين في التجارة الإلكترونية، إلا أنها غير محدثة ولا تزال غير كافية لتغطية جميع جوانب التجارة الإلكترونية. هذا القصور يضعف ثقة المستهلكين، ويزيد مخاوفهم من الاحتيال، ما يعيق بشكل كبير نمو هذا النوع الحيوي من التجارة ويحرم الاقتصاد السوري من فرصة ذهبية للانتعاش.

حبزة: المشكلة في غياب الضوابط المنظمة لهذه السوق

التعامل بحذر شديد

ويؤكد عبد الرزاق حبزة، أمين سر جمعية حماية المستهلك، على ضرورة التعامل بحذر شديد مع سوق التسوق الإلكترونية، نظراً لضعف المصداقية والفروق الكبيرة بين المنتج المعلن عنه والمنتج الذي يصل فعلياً إلى المستهلك، بالإضافة إلى ذلك، تشهد السوق العديد من حالات الغش، خصوصاً في المواد الغذائية ذات الصلاحية المنتهية، ومواد المكياجات التي تسببت بمشاكل صحية مثل حروق الوجه وتساقط الشعر.
وتكمن المشكلة الأكبر في غياب الضوابط المنظمة لهذه السوق التي فرضت نفسها كبديل للسوق التجارية التقليدية، حيث لا يمكن السيطرة على البائع نتيجة كونه «تاجراً طياراً» لا يمتلك مركزاً ثابتاً أو سجلاً صناعياً يمكن الاعتماد عليه، كما أن العروض مجهولة المصدر تشكل خطراً كبيراً ولا توجد وسائل فعالة لمنعها أو مراقبتها.
لذلك، يبقى التحذير الأهم هو عدم الشراء إلا بعد التأكد التام من مصدر المنتج، ويختم حبزة بالتأكيد على أن المخالفات منتشرة والمواطن معرض لمخاطر الاحتيال، ولا توجد حالياً آلية فعالة للرقابة، ما يجعل دور جمعية حماية المستهلك يقتصر على التوجيه والحث على اتخاذ الحيطة والحذر عند التعامل مع هذا النوع من الأسواق.

Leave a Comment
آخر الأخبار