الحرية – سمر رقية:
تفرض الديون الشخصية نفسها كإحدى القضايا الاقتصادية والاجتماعية البارزة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الاحتياجات المالية للأسر، إذ قد يشكل الاقتراض وسيلة لتلبية احتياجات ضرورية أو مواجهة ظروف طارئة، إلا أن التوسع غير المدروس في الاستدانة قد ينعكس سلباً على الاستقرار المالي والأسري، ويترك آثاراً تمتد إلى الأبناء والمجتمع.
أسباب الوقوع في الديون
أوضحت الدكتورة مايا بركات، في حديثها لـ«الحرية»، أن الوقوع في الديون يعود إلى مجموعة من العوامل المادية والنفسية، مبينة أن أبرزها يتمثل في انخفاض الدخل مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة، والتعرض لظروف طارئة كفقدان العمل أو تحمل نفقات صحية مرتفعة، إضافة إلى غياب التخطيط المالي والاعتماد على الاقتراض دون دراسة القدرة الفعلية على السداد.
الإنفاق الاستهلاكي يفاقم المشكلة
وأضافت الدكتورة بركات إن العوامل النفسية والاجتماعية تؤدي دوراً مهماً في تفاقم ظاهرة الديون، من خلال السعي إلى مجاراة الآخرين والإنفاق بما يتجاوز الإمكانات المادية، أو اللجوء إلى التسوق كوسيلة للتخفيف من الضغوط النفسية، فضلاً عن بعض العادات الاجتماعية التي تشجع على الاقتراض لتغطية تكاليف المناسبات والالتزامات المختلفة.
انعكاسات تمتد للأسرة والأبناء
وأكدت الدكتورة بركات أن آثار الديون لا تقتصر على الجانب المالي، بل تمتد إلى الحياة الأسرية، حيث تؤدي إلى زيادة التوتر والخلافات بين الزوجين نتيجة الانشغال المستمر بتأمين أقساط السداد، الأمر الذي ينعكس على العلاقة مع الأبناء، وقد يحرمهم من بعض احتياجاتهم الأساسية، مثل التعليم والأنشطة التنموية والرعاية الصحية، فضلاً عن تحميلهم مسؤوليات تفوق أعمارهم بما يؤثر في استقرارهم النفسي.
وأشارت إلى أن استمرار الضغوط المالية قد يدفع بعض الأسر إلى العزلة الاجتماعية، كما يؤثر في نظرة الأبناء إلى المال، سواء من خلال الميل إلى الإسراف أو المبالغة في التقتير، إضافة إلى أن غياب الإدارة المالية الرشيدة داخل الأسرة يحرمهم من اكتساب مهارات التخطيط المالي السليم.
الثقافة المالية أساس الاستقرار
ولفتت الدكتورة بركات إلى أن ضعف الثقافة المالية يعد من أبرز أسباب تفاقم الديون الشخصية، موضحة أن الاعتقاد بأن ارتفاع الدخل وحده كفيل بتحقيق الاستقرار المالي يعد مفهوماً غير دقيق، في حين أن الإدارة الواعية للموارد، والادخار، والتخطيط للمستقبل، تمثل الركائز الأساسية لتحقيق الاستقرار المالي.
الفئات الأكثر عرضة للاستدانة
وبيّنت الدكتورة بركات أن الديون لا تقتصر على أصحاب الدخل المحدود، وإنما تشمل أيضاً الشباب في بداية حياتهم العملية، والأسر متوسطة الدخل التي تسعى للحفاظ على مستوى معيشي يفوق إمكاناتها، إضافة إلى ذوي الخبرة المالية المحدودة، وكبار السن الذين يواجهون ارتفاع تكاليف العلاج والرعاية.
الدعوة إلى تعزيز الوعي المالي
وفي ختام حديثها، شددت الدكتورة بركات على أهمية نشر الثقافة المالية في المجتمع، وإعداد ميزانية واضحة للأسرة، وتخصيص صندوق للطوارئ، وتجنب الاقتراض قبل دراسة الحاجة الفعلية والقدرة على السداد، مع إعطاء الأولوية للادخار والتعليم، وإشراك الأبناء في ترسيخ ثقافة ترشيد الإنفاق، مؤكدة أن الإدارة المالية السليمة تمثل خطوة أساسية لحماية الأسرة وتعزيز استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.