الزيوليت: ثروة علمية صامتة على أبواب الاستثمار في سوريا

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – لوريس عمران:

في ظل تصاعد التحديات البيئية والغذائية والصناعية عالمياً، تتجه الأنظار اليوم نحو المواد الطبيعية القادرة على تقديم حلول متكاملة ومستدامة، حيث يبرز معدن “الزيوليت” كأحد أهم هذه المواد الفريدة، لما يمتلكه من خصائص علمية متقدمة نقلته من مجرد معدن طبيعي بسيط إلى محور اهتمام بحثي وتطبيقي واسع، مع إمكانات استثمارية كبرى تزداد أهميتها في سوريا مع توفره في مساحات واسعة لا سيما في مناطق ريف دمشق، ما يجعله فرصة استراتيجية كامنة للاستثمار العلمي والاقتصادي الوطني.

هندسة النانو والخصائص الفيزيائية للمعدن

وفي هذا السياق يوضح الباحث والمخترع في علوم وتقانة النانو الدكتور إبراهيم الغريبي أن الزيوليت هو تركيب بلوري من سيليكات الألمنيوم يتميز بمساحة سطح عالية وبنية مسامية ثلاثية الأبعاد، إذ تتعاظم هذه القيمة خصوصاً عند وصولها إلى مقياس النانو حيث تعمل كمنخل جزيئي دقيق يسمح بامتصاص الجزيئات والغازات بشكل انتقائي.

و أشار الغريبي في حديثه لصحيفة “الحرية” إلى أن فاعلية هذا المعدن كمبادل أيوني يتيح تبادل الأيونات بكفاءة عالية، إضافة إلى خصائص اهتزاز مرتفعة تمنحه قدرة استثنائية على إزالة السموم والملوثات، لافتاً في الوقت ذاته إلى تمتعه باستقرار حراري وتوافق حيوي يجعله مادة واعدة جداً في مجالات الطب والتجميل، وهو ما يفسر اتساع نطاق استخدامه من التطبيقات البيئية وصولاً إلى أرقى الصناعات التقنية المتقدمة.

ثورة في الزراعة المستدامة والأنظمة الإنشائية

وانتقل الدكتور الغريبي للحديث عن الجانب الزراعي للزيوليت مبيناً أن دوره لا يقتصر على تحسين خصوبة التربة فحسب، بل يؤدي دوراً سيادياً في تنظيم التوازن المائي عبر امتصاص الماء الزائد وتخزينه داخل مسامه وإطلاقه تدريجياً للنبات، الأمر الذي يحافظ على رطوبة مستقرة ويمنع تعفن الجذور بالإضافة إلى أنه يقلل من فترات الإجهاد المائي

أما عن التداعيات الصناعية فقد أكد الباحث الغريبي أن الزيوليت دخل كعنصر وظيفي متقدم في تطبيقات الخرسانة والدهانات، حيث يعمل في الأنظمة الإسمنتية كمادة بوزولانية تحسن المقاومة الميكانيكية وتزيد المتانة في البيئات القاسية كالبيئات الساحلية، إضافة إلى مساهمته في خفض استهلاك الطاقة عبر تنظيم الرطوبة والحرارة داخل الأبنية المستدامة، لافتاً إلى أن إمكانية تحويله إلى مادة شبه موصلة عند دمجه مع مواد نانوية كالغرافين، ما يفتح الباب أمام استخدامه في صناعة الحساسات الذكية.

الطب الوظيف وتعزيز الأمن الحيوي

من جانبه أكد الباحث والمخترع إبراهيم الشعار أن الزيوليت بوصفه مبادلاً أيونياً بات يستخدم بفعالية في مجالات الطب الوظيفي والتكاملي، حيث يسهم في دعم إزالة السموم من الجسم عبر الارتباط بالمعادن الثقيلة واستبدالها بأيونات آمنة، مشيراً إلى أن دوره المحوري في دعم التوازن الحيوي وتقليل الإجهاد التأكسدي وتعزيز كفاءة الجهاز المناعي، أما فيما يخص الإنتاج الزراعي فقد لفت الشعار إلى قدرة المعدن على تحرير العناصر الغذائية الكبرى مثل البوتاسيوم والنيتروجين وإتاحتها للنبات بأسلوب التحرر المديد، وبالانتقال إلى قطاع الثروة الحيوانية أوضح الشعار أن الزيوليت يُعد مضافاً علفياً فعالاً يمتص السموم ويقلل انبعاث الأمونيا في الحظائر، ما ينعكس إيجاباً على جودة اللحوم والألبان ويقلل من معدلات نفوق الحيوانات بفضل تحسين البيئة الصحية المحيطة بها.

حارس البيئة وحليف معالجة التلوث الإشعاعي

وفي سياق الكفاءة البيئية لفت الباحث الشعار إلى أن الزيوليت يصنف كواحد من أكثر المواد الطبيعية قدرة على تنقية المياه والهواء بفضل خصائصه كمنخل جزيئي عالي الانتقائية، حيث يستخدم في معالجة المياه العادمة الصناعية ذات الأحمال الكيميائية المرتفعة وتخليصها من الملوثات العضوية، مبيناً أن فاعلية الزيوليت وصلت إلى حد احتجاز العناصر المشعة، مستشهداً بنجاح استخدامه التاريخي في الحد من انتشار التلوث الإشعاعي عقب كارثة تشيرنوبل، ما يؤكد قدرته الفائقة على تثبيت المواد الخطرة وتقليل فرص انتقالها في البيئة المحيطة.

قيمة اقتصادية وعلمية

إن هذا المعدن الفريد يمثل اليوم في سوريا فرصة استراتيجية واعدة، تتطلب رؤية تكاملية تربط البحث العلمي بالتطبيق الصناعي لتحويله من مورد طبيعي خام إلى قيمة اقتصادية وعلمية عليا، ومع كل هذه المعطيات العلمية يبقى التساؤل الملح قائماً حول متى ستتحول هذه الثروة الوطنية إلى مورد استراتيجي فاعل ضمن الاقتصاد المعرفي؟ أم إنها ستظل حبيسة حدود الإمكانات غير المستثمرة.

Leave a Comment
آخر الأخبار