السكك الحديدية السورية بين نافذة الطلب العاجل والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – آلاء هشام عقدة:

تعود شبكة السكك الحديدية السورية إلى واجهة النقاش الاقتصادي، بوصفها أحد أبرز الملفات القابلة لإعادة التفعيل ضمن معادلات التجارة الإقليمية المتغيرة، وفي ظل التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم خرائط النقل بين الشرق والغرب، وبينما تتسارع المشاريع الإقليمية البديلة، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع سوريا استعادة دورها كممر بري محوري في المدى المنظور، أم إن البنية التحتية الحالية تجعل هذا الدور مؤجلاً لصالح الشاحنات؟
في هذا السياق، يشير عميد كلية الاقتصاد في اللاذقية، الدكتور عبد الهادي الرفاعي، في  تصريح لـ «الحرية» إلى أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها فرصة تاريخية متجددة للعب دور هام في إعادة تشكيل طرق التجارة، مستنداً إلى إرثها كحلقة وصل بين المرافئ المتوسطية والأسواق الخليجية.
ويؤكد الرفاعي أن شبكة السكك الحديدية السورية يمكن أن تتحول إلى أداة اقتصادية استراتيجية تربط موانئ اللاذقية وطرطوس بالعمق الإقليمي، بما يعزز موقع البلاد كممر بري بديل أو مكمل للمسارات البحرية التقليدية، إلا أنه يلفت في الوقت ذاته إلى أن هذا التحول يواجه معضلة زمنية واستثمارية معقدة.

التحولات الجيوسياسية وإعادة تشكيل مسارات التجارة

بحسب الرفاعي، فإن التوترات الجيوسياسية في الإقليم، وما رافقها من اضطرابات في بعض الممرات البحرية، دفعت العديد من خطوط الشحن العالمية إلى إعادة النظر في مساراتها، سواء عبر البحر الأحمر أو حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما أدى إلى ارتفاع ملموس في تكلفة النقل وزمنه، وهذه التحولات أسهمت في تنشيط الطلب على الممرات البرية الممتدة عبر تركيا والأردن باتجاه الخليج، لكنها في الوقت نفسه كشفت محدودية الجاهزية اللوجستية في بعض الدول، ومنها سوريا.
ويشير الرفاعي إلى أن البنية التحتية للسكك الحديدية السورية تعاني من تراجع كبير، إذ يبلغ إجمالي الشبكة نحو 2800 كيلومتر، إلا أن 1052 كيلومتراً فقط منها لايزال في الخدمة، أي ما نسبته 37 % وتُقدَّر تكلفة إعادة التأهيل والتطوير الشامل للشبكة بنحو 5.5 مليارات دولار، مع فترة زمنية تمتد بين 3 و5 سنوات، ما يجعل تشغيلها الكامل غير متاح في المدى القريب.

الشاحنات تملأ الفراغ.. والسكك الحديدية مشروع مؤجل

في ظل هذا الواقع، يرى الخبير الاقتصادي أن قطاع النقل البري بالشاحنات هو المستفيد الفوري من الطلب المتزايد على الترانزيت الإقليمي، خاصة في ظل تفعيل بعض التفاهمات الحدودية بين سوريا والأردن، والتي تسمح بمرور الشاحنات بشكل متبادل وتشغيل المعابر على مدار الساعة، مضيفاً إن التجارة الحالية تعتمد بشكل رئيسي على النقل البري من موانئ مثل جدة والعقبة باتجاه الداخل السوري والعراق، في ظل عدم جاهزية الشبكة الحديدية لاستيعاب هذا الحجم من الحركة التجارية.

أولويات اقتصادية لإعادة الإحياء

يرى الرفاعي أن إعادة تأهيل السكك الحديدية لا يمكن أن تتم دفعة واحدة، بل عبر مسار مرحلي يركز على الخطوط ذات العائد الاقتصادي السريع، مثل: خط نقل الفوسفات من حمص إلى طرطوس، الذي يقدر بحوالي 4.3 ملايين طن سنوياً، وربط ميناء اللاذقية بمحطة حلب الجافة لتعزيز حركة الترانزيت الداخلي.
ويصف الرفاعي شبكة السكك الحديدية السورية بأنها «هيكل ضخم قائم لكنه يحتاج إلى إنعاش عميق ومكلف»، قبل أن يتمكن من لعب دور فعّال في استيعاب أحجام التجارة الإقليمية المستقبلية.

الممرات الإقليمية المحتملة.. منافسة مع الزمن

ويتابع الرفاعي بالقول إنه في حال تأمين التمويل اللازم، يمكن أن تتحول سوريا إلى جزء من ممر لوجستي إقليمي شمالي– جنوبي يربط تركيا بالأردن وصولاً إلى الخليج العربي، وهو مشروع تتقاطع فيه مصالح عدة دول، موضحاً أن التقديرات تشير إلى أن اتفاقات إقليمية حديثة بين أطراف في المنطقة تهدف إلى تحديث وربط شبكات السكك الحديدية، بما يسمح بإنشاء ممر بري يربط جنوب أوروبا بالأسواق الخليجية خلال فترة تتراوح بين 4 و5 سنوات.
وهذا التطور المحتمل حسب الرفاعي من شأنه أن يعيد تفعيل موقع سوريا كمحطة عبور رئيسية بين المرافئ المتوسطية والأسواق الداخلية في الخليج، بما يعيد إحياء دورها التاريخي كجسر تجاري بين الشرق والغرب.

سيناريوهان متوازيان.. عاجل وآجل

ووفقاً لقراءة الخبير الاقتصادي، يمكن تقسيم مستقبل النقل في سوريا إلى مسارين متوازيين، الأول على المدى القصير (0–2 سنة): يهيمن فيه النقل البري، حيث تبقى الشاحنات الوسيلة الأساسية لنقل البضائع، مع استمرار التعاون الحدودي وتسهيل حركة الترانزيت، في ظل غياب بديل سككي فعال.
أما على المدى الطويل (3–5 سنوات) وعودة السكك الحديدية مع بدء مشاريع إعادة التأهيل والاستثمارات في الموانئ، مثل تطوير ميناء اللاذقية ضمن اتفاقيات استثمارية دولية، فيمكن أن يبدأ التحول التدريجي نحو النقل بالقطارات، الأكثر كفاءة وأقل تكلفة في الشحن الكثيف.

رؤية اقتصادية أوسع وتحديات واقعية

من جانبه، يشير الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب اسمندر إلى أن السكك الحديدية السورية تمتلك قيمة استراتيجية واضحة من الناحية النظرية، لكنها تصطدم بواقع بنيوي صعب يتمثل في تضرر واسع في شبكات النقل والموانئ، إضافة إلى الحاجة إلى استثمارات ضخمة وزمن طويل لإعادة التأهيل.
ويضيف إن النقل البحري سيبقى الخيار الأرخص عالمياً، ما يعني أن السكك الحديدية السورية قد تلعب دور “الخيار الاحتياطي الاستراتيجي” أكثر من كونها بديلاً كاملاً، خصوصاً في حال استقرار الممرات البحرية مستقبلاً.
وفي المقابل يرى اسمندر أن موقع سوريا الجغرافي يمنحها فرصة للبقاء ضمن خرائط الترانزيت الإقليمي، خاصة إذا تم تفعيل ممرات تربطها بالأردن وتركيا وصولاً إلى الخليج.

خلاصة: فرصة استراتيجية مشروطة

تظهر السكك الحديدية السورية اليوم كفرصة اقتصادية واعدة، لكنها ليست جاهزة للتحول الفوري، فهي تقع بين ضغط الحاجة العاجلة لحلول نقل سريعة، وبين مشروع استراتيجي طويل الأمد يتطلب استثمارات كبيرة، وتنسيقاً إقليمياً واسعاً، ورؤية اقتصادية واضحة.
وبين هذين المسارين، يبقى التحدي الأساسي هو قدرة سوريا على تحويل موقعها الجغرافي من مجرد معبر تاريخي إلى مركز لوجستي فعّال في الاقتصاد الإقليمي الحديث.

Leave a Comment
آخر الأخبار