العقال عند العرب.. سيرة رمز يتجاوز الزمان والمكان

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية– ياسر النعسان:

في تفاصيل الزي العربي، تقف بعض العناصر بوصفها أكثر من مجرد لباس، بل علامات دالة على التاريخ والهوية والذاكرة الجماعية.

ويأتي العقال في مقدمة هذه الرموز، قطعة صغيرة في حجمها، عظيمة في معناها، تختصر قروناً من التقاليد وتجسد روح الأصالة العربية التي صمدت أمام تغيرات الزمن.

جذور ضاربة في عمق التاريخ

أوضح اختصاصي التاريخ فاضل عاقل أن العقال يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحياة البدو في شبه الجزيرة العربية، حيث نشأ في بيئة قاسية فرضت على الإنسان ابتكار وسائل بسيطة وعملية للتكيف. في بداياته، لم يكن العقال سوى حبل يُصنع من وبر الإبل أو صوف الماعز، يُستخدم لتثبيت الغترة أو الشماغ على الرأس حمايةً من الرياح والرمال والشمس الحارقة.

ومع مرور الزمن، تحول هذا الاستخدام البسيط إلى تقليد راسخ، وتطور شكله من حبل ملفوف إلى دائرة مزدوجة متقنة الصنع، تحمل في طياتها بعداً جمالياً إلى جانب وظيفتها العملية.

بين الرمز والهوية

أشار عاقل إلى أن العقال لم يظل مجرد أداة تثبيت، بل تحول إلى رمز ثقافي واجتماعي غني بالدلالات، حيث ارتبط ارتداؤه بالرجل البالغ علامة على النضج والمسؤولية، وأصبح جزءاً أصيلاً من الهوية العربية، خصوصاً في دول الخليج، كمظهر من مظاهر الاعتزاز بالتراث.

وفي بعض البيئات، كان شكل العقال أو طريقة ارتدائه يعكسان مكانة الفرد أو انتماءه القبلي. كما ارتبط بمواقف تاريخية واجتماعية؛ ففي بعض التقاليد، كان الرجل ينزع عقاله تعبيراً عن الحزن أو الاحتجاج، ما يعكس عمق حضوره في الوعي الجمعي.

صناعة تتقنها الأيدي وترويها الذاكرة

لفت نبيل نحاس، المختص بالتراث الشعبي، إلى أن صناعة العقال شهدت تطوراً ملحوظاً عبر العصور، لكنها حافظت على روحها التقليدية. فبعد أن كان يُصنع يدوياً من مواد طبيعية، أصبح اليوم يُنتج باستخدام تقنيات حديثة مع الحفاظ على شكله الكلاسيكي.

ومن أبرز أنواعه: العقال الأسود التقليدي الأكثر شيوعاً، والعقال المُقصّب المطرز بخيوط ذهبية أو فضية للمناسبات الرسمية، والعقال المرعز المصنوع من شعر الماعز ذي الملمس الخشن والمظهر التراثي.

يمثل الشرف والعزة

بيّن رئيس فرع الجمعية العلمية التاريخية بحماة عبد القادر فرزات أن للعقال عند العرب مكانة وقدسية كبيرة جداً، مضيفاً: “لا أبالغ إن قلت إن هناك الكثير من العرب على استعداد عالٍ للقتال حتى الموت في سبيل الحفاظ على عقاله وعدم المساس به، لأنه يمثل الشرف والعزة والفخر لكل عربي أصيل، فإذا أُطيح بالعقال أُطيح بالقيم والمبادئ والكرامة”.

وأشار فرزات إلى أن أصل العقال يعود إلى العراق تحديداً، فحين أعدم ملك الفرس كسرى النعمان بن المنذر بقصد جعله عبرة للعرب بهدف إرهابهم والحط من كرامة كبيرهم، بلغ الخبر إلى بني عجل وشيبان (ربيعة)، فعقلوا رؤوسهم اعتزازاً بالنعمان وتحدياً لكسرى، ونادوا فيما بينهم “أعقل وتوكل”، فقامت الحرب وانتصر فيها العرب على الفرس، وأصبح العقال من ذلك اليوم تاجاً للعرب ورمزاً للكرامة وحفظ الأمانة والشموخ.

أشكال العقال وتطوره

قال فرزات: إن شكل العقال كان بني اللون لأنه يُصنع من وبر البعير وشعر الخيوط، وامتاز بغلظ جبره ليوحي بأنه “تاج العرب”، ثم تحول لاحقاً إلى اللون الأسود تعبيراً عن حزن العرب على خسارة الأندلس منذ نحو 500 عام، وتدرج إلى العقال القصبي الذي يُطرز باللون الذهبي ويحمل أربعة أركان سوداء اللون تعني “قلاع”، وقد اقتصر ارتداؤه على الملوك والأمراء من أصحاب القلاع التاريخية في العراق والخليج العربي.

أنواع العقال واختلافاته حسب المناطق

أوضح فرزات أن للعقال أنواعاً عديدة، ويشهد اليوم مبيعاً كبيراً، إذ أصبح الملبس الرسمي للعديد من الدول العربية، ويُصنع معظمه من القطن أو الحرير الصناعي في الخليج، بينما يُصنع من الوبر الخالص في العراق، ويستخدم أهل الشام الصوف لنسجه. ويختلف حجمه من منطقة إلى أخرى، ففي الإمارات يُسمى “المقلوب”، وفي قطر “شاي ليبتون”، بينما “العقال المرعز” هو التسمية الرسمية في العراق والشام. وللموروث والذوق العام دور كبير في شكل وأحجام العقال؛ فقد اعتادت بعض القبائل في العراق وقطر على إضافة خيطين وكركوشة للعقال، بينما السعودية وبلاد الشام غالباً لا يستعملونها.

والعقال الرفيع يعني الرفعة والسمو في مفهوم مستخدميه، بينما يعتبر الفريق الآخر أن غلظ جبر العقال يدل على وضوح تتويجه ومتانته ومكانته على الرأس، كونه تاج العرب.

طريقة ارتدائه ودلالاتها

أشار فرزات إلى أن لطريقة ارتداء العقال دلالات ومعاني ولدت من تاريخ القبائل العربية، وتميزت بها مدن وقصبات الوطن العربي حسب الموروث والعرف السائد. فميل العقال يميناً أو شمالاً يعود إلى قبيلتي شمر وعنزة للتفريق بينهما، ويقال إنه يدل على حضارة الروح وعشقها العذري.

أما ارتداؤه في مؤخرة الرأس فيعني المجابهة والصراحة دون خوف أو مجاملة، وقد اعتاد الفرسان تنكيسه للأمام بجهة الجبهة رمزاً إلى القوة والفروسية والقيادة، بينما يرتديه الأغلبية في وسط الرأس دلالة على أنه تاج العرب.

Leave a Comment
آخر الأخبار