الحرية – سراب علي:
تواصلت الفعالية العلمية التي تنظمها مديرية الثقافة في اللاذقية بالتعاون مع جامعة اللاذقية تحت عنوان “اللاذقية: ذاكرة المكان ورؤية المستقبل” لليوم الثاني وذلك في المركز الثقافي بالمدينة، والتي بدأت بورشة فنية للأطفال حملت عنوان “اللاذقية بعيون أطفالنا”، تلاها افتتاح معرض مشترك لكلية الهندسة المعمارية والفنون الجميلة، ضمّ مجسمات هندسية تحاكي معالم المدينة، إلى جانب عرض لمشاريع تخرج متميزة لطلاب الكليتين، إضافةً إلى جناح خاص يعرض نتاجات ورشة الرسم للأطفال.
وخلال الفعالية أكد محافظ اللاذقية محمد عثمان أن اللقاء يأتي في إطار الرؤى الثقافية والعلمية التي تجمع بين آثار التاريخ وحداثة التخطيط، مثمناً التعاون بين مديرية الثقافة وجامعة اللاذقية.
وأضاف: اللاذقية ليست مجرد مدينة، بل حكاية حضارة تمتد لآلاف السنين وتداخلت فيها الأزقة القديمة مع الامتدادات الحديثة، هذا الإرث يمنحنا مسؤولية كبيرة في الحفاظ عليه.
وشدد عثمان على أن الوعي بتاريخ المدن وجمالها لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة حتمية، فالحداثة لا تعني محو الماضي، والتراث لا يعني جمود الحاضر، إننا نهدف إلى ربط الأجيال بجذورها بأسلوب معاصر يجمع بين الأصالة والتجدد واعتبر أن الفعالية خطوة إضافية في مسار الوعي الاجتماعي الذي يبدع بالحاضر ويخطط للمستقبل.
بدوره أكد رئيس جامعة اللاذقية، الدكتور إياد فحصة، أن المدينة حالة ثقافية متكاملة، مشيراً إلى أن ثقافة الجبل ذاكرتها محفورة في حجارة قوس النصر وشوارعها القديمة، ووصف اللاذقية بمدينة التعايش والعيش المشترك، ومنارة العلم والأدب، وذاكرتها لا تنفصل عن جامعتها التي تتمركز فكرياً وعلمياً في سوريا.

أما مستقبل المدينة، فرآه الدكتور فحصة في التحول نحو الاقتصاد البحري الأزرق، والتخطيط الحضري الذكي، والاستثمار في العقول عبر ربط التعليم الأكاديمي بسوق العمل.
كما أكد الدكتور سامي الشيخ ديب عميد كلية الهندسة المعمارية والفنون الجميلة، أن الذاكرة وحدها لا تصنع المستقبل، معتبراً أن اليوم هو لحظة فارقة أمام تحدّي إعادة الإعمار الذي لا يقتصر على الإسمنت والحجر فقط بل يتعداه إلى رؤية متكاملة تجمع الأصالة بالطموح.
وأشار الشيخ ديب إلى أن هذه الفعالية التي تجمع بين الجامعة والمركز الثقافي، تمثل نموذجاً لهذا التكامل المنشود مؤكداً أن اللاذقية كغيرها من المدن السورية بحاجة إلى نهضة عمرانية شاملة تقع على عاتق الجميع في المحافظة، وشدد شيخ ديب على أهمية هذه الفعالية في تعزيز التواصل الاجتماعي والأكاديمي بين الجامعة والمجتمع، لتكون جسراً يربط البحث العلمي بالاحتياجات الحقيقية للمكان والإنسان.
كما أشار مدير الثقافة في اللاذقية الدكتور أحمد شريقي، أن العلاقة بين الثقافة والإنسان والعمارة تتجاوز كونها مجرد هياكل، معتبراً أن البناء هو شاهد مادي ووثيقة يمكن قراءتها، تسجل التفاعلات الاجتماعية والسياسية والدينية لفترة زمنية معينة.
وأوضح شريقي أن العناصر المعمارية كالأقواس والمآذن والقباب ليست مجرد تفاصيل إنشائية، بل “رموز ثقافية تحمل معاني تاريخية وروحية، وتجسد الهوية الجماعية التي ميزت حضارة عن أخرى فالعمارة هي وعاء الثقافة.
وختم شريقي بالقول: سوريا بحاجة إلى الجميع ولا تعمر إلا بالعلم النافع الذي ينمي العقل، وبالثقافة التي توحد ولا تفرق لنصل إلى إنسان متوازن يعرف حقه ويطالب به بحكمة ويعرف واجباته ويقوم بها..
وفي تصريحها لـ” الحرية” أوضحت المديرة التنفيذية لجمعية كتب الأطفال فاطمة حواط أن مشاركة الجمعية في ورشة تجمع العديد من الأطفال هدفها تعليم الأطفال رسم مدينة اللاذقية بمعالمها القديمة والحديثة، بإشراف مختصين من الجمعية وأساتذة من كليتي الهندسة المعمارية والفنون الجميلة.
وأضافت حواط: هذه الورشة تأتي في إطار استراتيجية الجمعية لترسيخ الانتماء المكاني لدى النشء، وتحويل ذاكرتهم البصرية إلى أداة حية للحفاظ على التراث المعماري والثقافي للمدينة، كما لفتت إلى أن تفاعل الأطفال مع تفاصيل المعالم العمرانية يعكس قدرتهم الفطرية على ملاحظة الجمال والتعبير عنه بأسلوب فني عفوي، ما يجعلهم سفراء حقيقيين لهوية اللاذقية في المستقبل
ورافق الفعالية ندوة علمية بحضور نخبة من الأساتذة، تناولت محاور معمقة حول هوية المدينة العمرانية، وسط حضور أكاديمي وجماهيري.
إذ تناول الأستاذ الدكتور عبد الكريم الحسيني في محاضرته “تطور عمارة اللاذقية المعاصرة مقاربة تطبيقية” التحديات التي تواجه الهوية المعمارية للمدينة في ظل التحولات الحضرية المتسارعة، واستعرض الدكتور الحسيني كيف أن مشاريع الإسكان “العشوائية” أو “عامة التصميم” في اللاذقية غالباً ما تخلق فجوة بين تصميم المسكن والقيم الثقافية للسكان.
مشيراً إلى أن المدينة لها مبررات للتوسع، اللاذقية لها هوية واضحة، هي الهوية العربية الإسلامية، كما تحدث عن علاقة مدينة اللاذقية بالحضارات وأسباب التطور.
بدوره، قدم الدكتور طارق رحمون خلال محاضرته التي حملت عنوان: “من اليقين الوهمي إلى المرونة الذكية التخطيط بالسيناريو كاستجابة لعصر VUCA في التنمية الحضرية والريفية” رؤية استشرافية لتأهيل البنى التحتية، مستشهداً بأمثلة حية من مشاريع الترميم في المدينة،وشدد على ضرورة تطبيق منهجيات “التخطيط بالسيناريو” لدمج عناصر الحداثة مع النسيج التاريخي للمباني، وضمان استدامتها لتلبية الاحتياجات.
كما استعرض الدكتور هاني ودح في حديثه “العمارة الدينية في قديم مدينة اللاذقية” نماذج بارزة من الازدهار المعماري في اللاذقية القديمة، مسلطاً الضوء على التفاصيل الفريدة، وبعض المساجد والكنائس التاريخية الأثرية وعن العمارة المدنية والدينية.
كما تضمنت الفعالية أيضاً رحلة سردية بعنوان “اللاذقية بين الماضي والحاضر والمستقبل” تستحضر روح التراث وتستشرف آفاق المستقبل.