«المونة المنزلية».. مشروع اقتصادي يدعم الأسر ويزيد من دخلها

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – وداد محفوض:

أصبح العمل في تحضير المؤن الغذائية لدى كثير من الأسر في المنازل مشروعاً اقتصادياً يدر أرباحاً، إذ تحوّل خيرات المواسم إلى مصدر دخل يساعدها على مواجهة أعباء الحياة، ويمنح كثيراً من النساء فرصة للعمل والإنتاج من داخل المنزل.
فـ«المونة»، التي ارتبطت لسنوات بعادات الأسرة في حفظ الطعام والاستعداد لمواسم الشتاء، لم تعد اليوم مجرد تقليد متوارث، وإنما باتت لدى عدد متزايد من الأسر مشروعاً اقتصادياً صغيراً يوفر دخلاً، ويعزز الاعتماد على الذات، ويخفف من وطأة الظروف الاقتصادية الصعبة.

مصد دخل إضافي

فبينما تبحث أسر كثيرة عن مصادر دخل إضافية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، وجدت نساء في صناعة المكدوس والمخللات والمربيات وتجفيف الخضار والفواكه وحفظ المنتجات الغذائية فرصة حقيقية للعمل، دون الحاجة إلى مغادرة المنزل أو تحمّل تكاليف مشروع كبير.

من الحاجة إلى الإنتاج

وتقول ليلى عبود، 50 عاماً، إن الظروف الاقتصادية كانت الدافع الأول لخوض تجربة تحضير وحفظ المؤن الغذائية المنزلية وبيعها. وبيّنت أنه لم يكن لديها راتب ثابت، وكانت الظروف المعيشية تزداد صعوبة، لذلك فكرت في استثمار خبرتها في إعداد المونة وتحويلها إلى عمل يدر دخلاً، موضحة أنها بدأت بكميات بسيطة من المكدوس والزيتون.
وأضافت إن البداية لم تكن سهلة، إذ احتاج الأمر إلى حساب تكاليف المواد الأولية والعبوات، ومعرفة الكميات التي يمكن إنتاجها وتسويقها، لكنها مع مرور الوقت استطاعت أن تجعل من عملها مورداً يساعد أسرتها على تحمّل جزء من المصاريف اليومية. ورأت عبود أن أهم ما منحها إياه هذا العمل ليس الدخل فقط، بل الشعور بأنها قادرة على الإنتاج وصنع فرصة لنفسها في ظل غياب مصدر دخل ثابت.

ظروف صحية

بدورها شرحت «أم إبراهيم» ربة منزل أن الظروف الصحية لزوجها دفعتها إلى البحث عن عمل تستطيع القيام به من داخل منزلها، بما يتيح لها متابعة شؤون أسرتها وعدم الابتعاد عن زوجها.
ولفتت إلى أنها بدأت بصناعة بعض المؤن وحفظ الأغذية، ووجدت أن هذا العمل يمكن أن يجمع بين رعاية أسرتها وتأمين مصدر دخل لها. وذكرت أنها بدأت بإنتاج كميات محدودة من المكدوس والفليفلة والخضار المحفوظة والمجففة والكشك، إضافة إلى مختلف أنواع المؤن، مستفيدة من خبرتها في إعداد المونة المنزلية.
ومع انتشار منتجاتها بين الأقارب والجيران والمعارف، تحولت الكميات الصغيرة إلى موسم سنوي مربح. وأوضحت أن العمل من المنزل منحها مرونة كبيرة في تنظيم وقتها، كما ساعدها على مواجهة الأعباء المالية التي فرضتها الظروف الصحية للأسرة، مؤكدة أن المشروع، رغم بساطته، أصبح جزءاً أساسياً من اقتصاد المنزل.

المونة قيمة مضافة

ورأت المدرسة والخبيرة في الاقتصاد المنزلي صبا ديب، في تصريح لـ«الحرية»، أن أهمية هذه المشاريع لا تقتصر على توفير دخل مباشر للأسر، وإنما تسهم أيضاً في الاستفادة من المنتجات الزراعية خلال مواسم وفرتها، وتحويل المواد سريعة التلف إلى منتجات يمكن تخزينها وتسويقها في وقت لاحق.
فالباذنجان يتحول إلى مكدوس، والخضار والفواكه إلى منتجات مجففة، والفواكه الموسمية إلى مربيات، وغيرها من المنتجات التي يمكن أن تحمل قيمة اقتصادية أكبر بعد تصنيعها وتعبئتها وتسويقها.
وأضافت ديب إن هذه المشاريع تتيح للأسرة الاستفادة من مهارات أفرادها، وخصوصاً النساء اللواتي يمتلكن خبرات متوارثة في إعداد الأغذية وحفظها، وتحويل تلك الخبرات من عمل منزلي غير مدفوع إلى نشاط إنتاجي يحقق عائداً مادياً.

دعم الأسر والاقتصاد المحلي

ونوهت ديب بأن مشاريع «المونة المنزلية» تمثل نموذجاً مهماً للمشروعات متناهية الصغر، لأنها لا تحتاج في بدايتها إلى رأس مال كبير، ويمكن أن توفر للأسرة مورداً إضافياً يتطور تدريجياً مع اكتساب الخبرة وتوسيع قاعدة الزبائن.
وأكدت أن دعم الأسر المنتجة لا يقتصر أثره على زيادة دخل الأسرة، وإنما يسهم في رفع قدرتها على مواجهة الأعباء الاقتصادية، ويفتح المجال أمام النساء للمشاركة في النشاط الاقتصادي، كما يشجع على استثمار الموارد المحلية والحد من هدر المنتجات الزراعية.
وأشارت ديب إلى أن انتقال هذه المشاريع من نطاق العمل المنزلي المحدود إلى مشروع اقتصادي مستدام يحتاج إلى التدريب على أساليب التصنيع الآمن، والتعبئة والتغليف، وحساب التكلفة والتسعير، إضافة إلى توفير قنوات تسويقية تساعد الأسر المنتجة على الوصول إلى المستهلكين.

مشروع مستدام

وذكرت ديب أن تجارب النساء العاملات في صناعة المونة أثبتت أن الحاجة يمكن أن تتحول إلى فرصة، وأن المطبخ المنزلي قد يصبح مساحة للإنتاج لا للاستهلاك فقط، فخلف كل مشروع، ولو كان صغيراً، قصة أسرة تحاول أن تصنع لنفسها مورداً يساعدها على الاستمرار، وامرأة اختارت أن تواجه الظروف الاقتصادية بالعمل والإنتاج.
واختتمت ديب حديثها بالتأكيد على أن دعم مشاريع المونة والأسر المنتجة لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مساعدة مؤقتة، بل استثمار في طاقات الأسر وقدرتها على الاعتماد على ذاتها.
فكل مشروع صغير ينجح في تأمين دخل لأسرة هو خطوة نحو اقتصاد أكثر قدرة على الصمود، وحياة أكثر استقراراً، وفرصة حقيقية لتحويل المهارات المنزلية إلى قيمة اقتصادية تعود بالنفع على الأسرة والمجتمع معاً.

Leave a Comment
آخر الأخبار