الواقع الاقتصادي لم يعد خاضعاً للنماذج التقليدية… كيف أعادت الصدمات المتتالية تشكيل سلوك للسوريين؟

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية ـ سناء عبدالرحمن:
لم يعد المشهد الاقتصادي في سورية يُقرأ من خلال مؤشرات التضخم أو تقلبات سعر الصرف فقط، بل من خلال التحولات العميقة في سلوك الأفراد. فسنوات من الأزمات المتلاحقة – من الحرب والعقوبات إلى النزوح وجائحة كورونا وصولاً إلى زلزال فبراير- لم تقتصر آثارها على البنية التحتية، بل امتدت لتعيد تشكيل أنماط السلوك الاقتصادي لدى السوريين، وتدفعهم نحو تبني استراتيجيات قائمة على البقاء قبل أي اعتبارات أخرى.
في هذا السياق، أوضح المدرّس في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا في اللاذقية الدكتور وجد رفيق الصائغ في تصريح لـ”الحرية”، أن الواقع الاقتصادي السوري لم يعد خاضعاً للنماذج التقليدية التي تفترض سلوكاً عقلانياً مستقراً، بل تحوّل إلى نموذج تحكمه ضغوط مستمرة من عدم اليقين وانعدام الاستقرار.

التحول إلى اقتصاد البقاء

بيّن الصائغ أن المواطن السوري انتقل فعلياً من نموذج “الإنسان العقلاني” الذي يتخذ قراراته بناءً على حسابات طويلة الأمد، إلى “إنسان البقاء” الذي تفرض عليه الظروف التركيز على تأمين الاحتياجات اليومية قبل أي شيء آخر، وأوضح أن حالة عدم الاستقرار المستمرة، سواء على المستوى المالي أو الاجتماعي، خلقت بيئة من القلق الدائم، ما انعكس مباشرة على طبيعة القرارات الاقتصادية، فالعقل الذي ينشغل بتأمين الغذاء والدواء لا يمتلك القدرة الكافية للتخطيط للمستقبل أو المخاطرة المدروسة، لذلك فإن ما قد يبدو قراراً “غير منطقي” في الحسابات العقلانية في زمن آخر أو دول أخرى، هو قرار “منطقي ومفهوم” في سياق سيكولوجيا البقاء في سورية.

تبدل أولويات الإنفاق

وأشار إلى أن الطبقة الوسطى، التي كانت تشكل عماد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، تعرضت لتآكل واضح خلال السنوات الماضية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على أنماط الاستهلاك، فالمستهلك السوري لم يعد يوازن بين الجودة والسعر كما في السابق، بل أصبح السعر هو العامل الحاسم في القرار الشرائي، هذا التحول دفع شريحة واسعة من الأسر إلى التخلي عن العديد من السلع والخدمات التي كانت تُعد أساسية سابقاً، والاعتماد بدلاً من ذلك على بدائل أقل تكلفة، في محاولة مستمرة للتكيف مع فجوة دخل آخذة في الاتساع.

صعود “الاستثمار القلق”

ولفت الصائغ إلى أن البيئة الاقتصادية غير المستقرة أفرزت نمطاً جديداً من السلوك الاستثماري يمكن وصفه بـ”الاستثمار القلق”، حيث يميل المستثمرون إلى تجنب المشاريع الكبيرة أو طويلة الأمد التي تتطلب استقراراً نسبياً لضمان جدواها، وبدلاً من ذلك، تتجه رؤوس الأموال نحو أنشطة سريعة الدوران وعالية السيولة، تتيح تحقيق أرباح في فترات قصيرة، حتى وإن كانت محدودة، هذا النمط يعكس غياب الثقة بالمستقبل، والخشية من التعرض لخسائر كبيرة نتيجة صدمات مفاجئة.

هجرة رؤوس الأموال

وأضاف إن جزءاً مهماً من الفوائض المالية، عند توافرها لم يعد يُستثمر داخل السوق المحلية، بل يتجه نحو الخارج بحثاً عن بيئة أكثر استقراراً، وقد أدى ذلك إلى تنامي ظاهرة هجرة رؤوس الأموال، سواء عبر شراء العقارات أو إقامة مشاريع صغيرة في دول الجوار، ما يحرم الاقتصاد المحلي من موارد كان يمكن أن تسهم في تحفيز الإنتاج وخلق فرص عمل جديدة.

تعاظم الاقتصاد النقدي

كما أوضح “المدرس الأكاديمي” أن تكرار الأزمات والإجراءات المرتبطة بالقطاع المصرفي أدى إلى تراجع الثقة به، ما دفع الأفراد والتجار إلى تفضيل التعامل النقدي المباشر، ومع الوقت، تحوّلت هذه الممارسة إلى سلوك واسع الانتشار، حيث تُنجز العديد الصفقات التجارية بمليارات الليرات خارج القنوات المصرفية الرسمية، كما اتجه كثيرون إلى الاحتفاظ بأموالهم في المنازل” تحت الفراش”، ما أدى إلى تجميد كتل نقدية كبيرة خارج الدورة الاقتصادية، وبالتالي إضعاف قدرة النظام المالي على تمويل الأنشطة الإنتاجية.

الذهب والدولار كملاذات نفسية

وأكد الصائغ أن التوجه نحو الذهب والدولار لا يمكن تفسيره فقط من زاوية اقتصادية بحتة، بل يجب فهمه أيضاً في سياقه النفسي، ففي ظل بيئة تتسم بعدم اليقين، يبحث الأفراد عن أدوات تمنحهم شعوراً بالأمان والاستقرار، حتى وإن كان ذلك على حساب فرص استثمارية محتملة. وهكذا تحوّل الذهب والدولار إلى رمزين للثقة المفقودة، ووسيلة لحماية المدخرات من التآكل، إضافة إلى كونهما عنصر طمأنينة قادرين على شراء الدواء أو الطعام ومواجهة المستقبل.

ترميم الإنسان قبل المؤشرات

وختم الصائغ بالتأكيد على أن معالجة التحديات الاقتصادية في سورية لا يمكن أن تعتمد على أدوات مالية ونقدية تقليدية فقط، بل تتطلب فهماً أعمق للسلوك الإنساني في ظل الأزمات.
وأشار إلى أن استعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات تمثل المدخل الأساسي لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي، إذ إن بقاء الأفراد في دائرة “اقتصاد البقاء” سيحدّ من فعالية أي سياسات إصلاحية، ما لم تترافق مع خطوات تعيد الإحساس بالاستقرار والأمان الاقتصادي.

Leave a Comment
آخر الأخبار