الحل ليس صعبا ً .. كيف نعيد بناء الثقة بالعملة السورية؟

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – باديه الونوس:

شهدت الليرة السورية انخفاضاً واضحاً الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية  وهذا بالطبع نتيجة سنوات طويلة من التراجع الاقتصادي.

عدة عوامل تسببت في انحدار قيمة العملة وفق الخبير الاختصاصي بالتخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر مهند الزنبركجي، والذي أكد أن انخفاض قيمة الليرة السورية ليس مرتبطاً بحدث واحد أو حرب واحدة، بل هو مسار طويل من التآكل الاقتصادي الذي بدأ قبل سنوات وتفاقم بشكل حاد مع الحرب الدائرة لمدة ١٤ عاماً، و وصل ذروته في ظل ضعف الإدارة الاقتصادية الحالية في بعض المفاصل، بالإضافة الى عوامل داخلية وخارجية متشابكة.

قوة الاقتصاد

من المؤكد أن  العملة في جوهرها قوة الاقتصاد وثقة الناس به، عندما يضعف الإنتاج وتضطرب المؤسسات ويتم فقدان الثقة، تبدأ العملة بالانحدار ، في الحالة السورية، يرد الخبير المصرفي زنبركجي أن الأساس الحقيقي لأي عملة هو الاقتصاد الذي تضرر كثيراً، والذي كان يعتمد على الزراعة والصناعة والخدمات، إذ فقد جزءاً كبيراً من قدرته بسبب الدمار، وخروج مناطق واسعة من السيطرة الاقتصادية المتماسكة، وهجرة اليد العاملة ورؤوس الأموال، هذا التراجع جعل السوق يعتمد أكثر على الاستيراد لتأمين الاحتياجات الأساسية، والاستيراد يحتاج إلى عملة صعبة، ما خلق طلباً دائماً ومتزايداً على الدولار مقابل عرض محدود جداً منه، هنا بدات الليرة بفقدان قيمتها بشكل تدريجي، لأن الطلب عليها أقل بكثير من الطلب على العملات الأجنبية.

الصادرات ضعفت

وأضاف، بموازاة ذلك لم يعد هناك تدفق طبيعي للدولار كما في الاقتصادات المستقرة، حيث إن الصادرات ضعفت، وكذلك السياحة شبه غائبة، أيضاً الاستثمارات الخارجية توقفت، والتحويلات المالية أصبحت أكثر تعقيداً.

تراجع في الموارد

أمام هذا المشهد في هذه المرحلة، وفي ظل تراجع الموارد، تلجأ الحكومات عادة إلى زيادة الكتلة النقدية لتغطية النفقات، أي طباعة المزيد من العملة. لكن عندما لا يقابل هذه الزيادة إنتاج حقيقي، تتحول مباشرة إلى تضخم الأسعار ترتفع لأن كمية المال زادت دون زيادة في السلع. مع الوقت يفقد الناس الثقة بالعملة نفسها، فيسارعون إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار أو الذهب أو أي أصل أكثر استقراراً، لأن الخوف من انخفاض العملة يساهم فعلياً في انخفاضها.

العامل النفسي

لم يغفل الخبير المصرفي العامل النفسي الذي  لا يقل أهمية عن العوامل الاقتصادية، حيث إن الثقة هي العمود الخفي لأي نظام نقدي، وعندما يشعر المواطن أو التاجر أن الليرة ستفقد قيمتها، فإنه يتصرف على هذا الأساس: يرفع الأسعار، يخزن البضائع، أو يتعامل بالدولار.

وهكذا تتحول التوقعات إلى واقع، حيث تؤدي السياسات غير الواضحة  إلى زيادة حالة عدم اليقين وتفتح المجال أمام المضاربة والسوق السوداء لتحديد السعر الفعلي بدلاً من المؤسسات الرسمية.

عوامل إقليمية

حتى العوامل الإقليمية لعبت دوراً مهماً حيث إن الاقتصاد السوري لم يكن معزولاً عن محيطه، وعندما انهارت أنظمة مالية قريبة مثل لبنان، فقد السوريون قناة مهمة للوصول إلى الدولار، سواء عبر البنوك أو التحويلات. لذلك، حتى لو توقفت بعض الحروب في المنطقة، فإن آثارها الاقتصادية تستمر، لأن شبكات التمويل والتجارة تحتاج وقتاً طويلاً ليعاد بناؤها.

الطبقة الوسطى تآكلت

النتيجة النهائية لكل ذلك لا تظهر في المؤشرات الاقتصادية فقط، بل في مستوى المعيشة  المواطن لا يدفع فقط ثمن السياسات ، بل يدفع أيضاً ثمن غياب الاستقرار و ثمن الزمن الذي يحتاجه الاقتصاد ليتعافى.

المشكلة مركبة

الحلول ليست سريعة ولا سهلة، لأن المشكلة عميقة و مركبة، تحسين قيمة العملة يتطلب إعادة بناء الثقة أولاً، هذه الثقة لا تأتي بقرار، بل بسلسلة من الإجراءات أهمها: بناء شركات قابضة وطنية، إعادة هيكلة الصندوق السيادي بشفافية، دعم الإنتاج الحقيقي، خلق بيئة استثمارية مستقرة، تخفيف القيود التي تعزل الاقتصاد، وتحقيق قدر من الشفافية يجعل الناس يشعرون بأن هناك اتجاهاً واضحاً. بدون ذلك، تبقى أي محاولات لضبط سعر الصرف مؤقتة و هشة.

الحل ليس صعباً

وفق رؤية  الخبير زنبركجي، أمام هذا الواقع حل المشكلة ليس صعباً إن تم الاعتماد على خبراء اقتصاديين لهم باع طويل وعملي في العمل ضمن أزمات، و تفويضهم لتنفيذ مشروع الإنقاذ.

ليست مجرد ورقة نقدية

إن الليرة ليست مجرد ورقة نقدية،  بالتالي إعادة قوتها لا يعني فقط تحسين سعر الصرف، بل يعني إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، بين الاقتصاد والعالم. هذه العملية بطيئة ومكلفة، لكنها الطريق الوحيد الذي يمكن أن يخفف العبء الحقيقي عن المواطن، الذي كان ولا يزال الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.

Leave a Comment
آخر الأخبار