الحرية – عمار الصبح:
في عالم تتسارع فيه وتيرة انتشار الثورة الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، باتت مسألة تربية الأبناء مهمة محفوفة بالمخاطر والتحديات، في وقت دخلت فيه وسائل التواصل والمحتويات المدارة بالخوارزميات تفاصيل الحياة اليومية، وباتت شريكاً في التربية وفي توجيه سلوكيات الأبناء، ما فرض تحديات جديدة على الآباء والأمهات، وأعاد طرح السؤال البدهي: هل ما زالت آليات الرقابة الأبوية التقليدية قادرة على الاستمرار في ظل هذا الواقع، أم أنها تحولت إلى أداة قديمة عفا عليها الزمن وباتت غير قادرة على مواجهة التحديات الجديدة؟
صديق رقمي
يتزايد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة، وخصوصاً بين فئة الأطفال والمراهقين، وبالرغم مما قد تقدمه هذه التقنيات من فوائد تعليمية ومعرفية مهمة، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر نفسية واجتماعية، وهذا ما دفع مراكز الأبحاث إلى التشديد على أن الذكاء الاصطناعي هو أداة تقنية وليس بديلاً عن العلاقات الإنسانية أو بوصفه «صديقاً رقمياً». ويأتي هذا التحذير في دراسة نشرها باحثون من مستشفى الأطفال في ولاية فيلادلفيا الأمريكية في دورية Pediatrics، تناولت التأثيرات المحتملة للذكاء الاصطناعي على الأطفال والمراهقين، وكيف تختلف هذه التأثيرات بحسب الفئة العمرية.
وأشارت الدراسة إلى أن نحو 72% من المراهقين في الولايات المتحدة استخدموا روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي كنوع من الرفقة أو التفاعل. وبالرغم من الجهود الجارية لوضع سياسات تنظيمية وإنشاء ضوابط تقلل من المخرجات الضارة للذكاء الاصطناعي، فإن هذه الإجراءات لا تزال غير كاملة، ما يجعل دور الآباء ومقدمي الرعاية أكثر أهمية في توجيه الأطفال نحو الاستخدام المسؤول لهذه التكنولوجيا، وذلك حسب ما خلصت إليه الدراسة من نتائج.
التعامل بحذر
ضمن هذه المعطيات، لا تبدو مهمة تربية الأبناء سهلة كما يرى خبراء التربية، إذ تحتاج إلى كثير من الحكمة في التعاطي مع الموضوع بجدية، والعمل على تحقيق نوع من التوازن ومسك العصا من منتصفها، دون ممارسة إجبار مفرط على الأبناء لإبعادهم عن التقنية وتقنياتها، وأيضاً دون أن يتركوا لهم الحبل على الغارب.
يركز الباحث والمتخصص في التربية السلوكية محمد الفاضل، في بداية حديثه لـ«الحرية»، على نقطة يراها جوهرية، وهي أن التقنيات الذكية باتت أمراً واقعاً لا مجال لتحييدها، كما أن هذه التقنيات باتت تُقدّم فوائد كثيرة محتملة وواعدة، مثل تحسين وتسريع عملية التعليم والتعلم، وسهولة وإمكانية الوصول لمصادر المعرفة المختلفة، والراحة وتقليل الجهد المبذول للحصول على المعرفة واكتسابها، إلا أن هذه التقنيات في الوقت نفسه تُثير مخاوف بشأن الخصوصية والسلامة والتطور والتواصل الاجتماعي.
ويلفت الباحث إلى مسألة اختلاف الثقافات بين الآباء والأمهات وبين أطفالهم، وبالتالي فإن أساليب التربية التقليدية القائمة على الحزم لم تعد وحدها كافية ولا حلاً آمناً، مشيراً إلى أن جيل اليوم نشأ وسط الشاشات والهواتف الذكية والمنصات الرقمية، ويملك قدرة كبيرة على الوصول للمعلومات ومقارنتها وتحليلها، لذلك فالنجاح في التربية الحديثة يعتمد على التوازن بين الانضباط والاحتواء، وبين وضع القواعد وبناء جسور الحوار. ويشدد الفاضل على أن تربية الأبناء في عصر الذكاء الاصطناعي لا تعني عزلهم عن التكنولوجيا، فذلك أمر لا يمكن تحقيقه بأي حال من الأحوال، بل تعني إعدادهم للتعايش معها بحكمة واستخدامها الاستخدام الأمثل.
بناء المناعة الرقمية
تشير الأبحاث والدراسات التربوية الحديثة إلى أن تربية الأبناء في زمن الذكاء الاصطناعي لم تعد تقتصر على مراقبة وقت الشاشات، فهي عملية مرهقة وطويلة، بل تتطلب بناء «مناعة رقمية»، إذ يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل وعي الأطفال وتفكيرهم، مما يجعل الأساليب التقليدية وحدها غير كافية لمواكبة هذا التحدي.
ينصح الباحث في التربية السلوكية الآباء ومقدمي الرعاية بضرورة الابتعاد عن النصيحة المباشرة أثناء تعاطيهم مع الأبناء، بل فتح قنوات حوار معهم، مع استخدام مهارات التواصل الفعال من قبيل الكلمات المشجعة ونبرة الصوت الهادئة ولغة الجسد، وهي مهارات تزيد من تقبلهم للنصيحة. ويركز على بعض الأفكار الذكية التي يمكن أن يعتمد عليها الآباء لتقليل اعتماد الأبناء على الهواتف الذكية، منها على سبيل المثال لا الحصر، اقتراح أنشطة محببة كاللعب والرسم أو التجارب البسيطة، واكتشاف ما يحبه الأبناء ودعمه، وتحويل هذا الاهتمام إلى عادة ممتعة، فضلاً عن مكافأة السلوك الإيجابي، ويتجلى ذلك من خلال الإطراء عند اختيار أنشطة بديلة، والأهم من ذلك كله أن يكون الآباء قدوة لأبنائهم من خلال التقليل من استخدام الهواتف، فالطفل أكثر ميلاً لتقليد الآباء.
ويبين الفاضل أهمية المشاركة، بمعنى أن يتعلم الآباء ولو بالحد الأدنى بعضاً من تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، كي يستطيعوا التعامل بإيجابية مع أبنائهم ومعرفة نمط تفكيرهم، حيث يوجد كثير من الأجيال السابقة لم تسنح لها الفرصة الكافية للاطلاع على هذه التقنيات، بل اكتفت بالمراقبة عن بعد وتركت الساحة خالية للأبناء مع هذا الوافد الجديد.
ويختتم الباحث حديثه بتأكيد أن أدوات الذكاء الاصطناعي ومهما بلغت من تطور، فهي تفتقر إلى دقة التفاعل البشري الحقيقي الذي يحتاجه الأبناء، وخصوصاً في المراحل العمرية المبكرة، لذلك لا بد من تشجيعهم على التفاعل مع أقرانهم، وتنمية قيم التعاطف، وأن يكونوا قدوة لأبنائهم في الاستخدام السليم للتكنولوجيا والتفكير النقدي.