الحرية ـ سامي عيسى:
في ظل أوضاع معيشية صعبة وضعف القوة الشرائية ووصولها إلى مستويات متدنية، مع انخفاض قيمة الليرة أمام الدولار، أصبح من الضروري البحث عن حلول مقبولة تعالج تدريجياً هذه الظواهر، نتيجة تفاقم الضغوط الاقتصادية على المواطنين وتأثيرها المباشر على القدرة الشرائية للمواد الأساسية، إلى جانب ما تواجهه الأسواق المحلية من تحديات جديدة في ضبط الأسعار والتوازن بين العرض والطلب.
رصد مباشر للأسواق
حاولت «الحرية» رصد حركة الأسعار في بعض أسواق مدينة دمشق، والتي ظهرت بصورة واحدة وواضحة في ملامحها وحقائقها حول ما يحدث من تذبذب، وفق رأي الكثير من المواطنين الذين التقتهم «الحرية» في سوق الحميدية وباب الجابية وغيرهما، حيث أكدوا أن السلعة الواحدة تباع بأسعار مختلفة ما بين تاجر وآخر وبين سوق وآخر، والحجة دائماً «سعر صرف الدولار» الذي خرج عن كل مألوف، والأخطر أنه يخفي خلفه كثيراً من الأسباب التي يبرر فيها أهل السوق عدم استقرار الأسعار، لكن يبقى الدولار المتهم الأخطر.
وكان الإجماع في الرأي أيضاً حول ضعف الدخل والمردود الاقتصادي للمواطن السوري، فالرواتب بالكاد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، ومع كل ارتفاع للدولار نشعر أن دخلنا يتقلص أكثر، بالمقابل أصبحت معظم المواد الأساسية مثل الزيت والأرز باهظة الثمن، وأحياناً يصعب على الجميع الحصول عليها.
أهل السوق.. الدولار المؤثر الأكبر في الأسواق
رأى تاجر المفرق حميد المصري والتاجر مصعب الباشا وغيرهم ممن التقيناهم، أن الأسواق المحلية شهدت زيادات متلاحقة في أسعار المواد الغذائية والوقود والأدوية، وأن الارتفاع الأخير ساهم في رفع تكاليف الاستيراد بشكل مباشر، ما انعكس على الأسعار في السوق المحلي.
وبالرغم من الضغوط الاقتصادية الصعبة، تحاول بعض الشركات المحلية الاستفادة من الظروف عبر زيادة الإنتاج المحلي وتخفيض الاعتماد على الاستيراد، بينما يواجه القطاع التجاري تحديات لوجستية في تلبية الطلب دون رفع الأسعار بشكل كبير، وهذه مسألة يحاول الكثير من التجار تطبيقها لتجنب الخسائر وتخفيف الضغط على الأسرة السورية قدر الإمكان.
ضرورة الاعتماد على البدائل المحلية
ضمن هذا السياق، يرى عضو غرفة تجارة دمشق فيصل المنان أن ارتفاع سعر صرف الدولار المستمر يضغط على أسعار السلع الأساسية ويؤثر بشكل مباشر على التوازن بين العرض والطلب، وهو ما يتطلب تدخل الجهات المعنية لتثبيت الأسعار ودعم القطاعات الإنتاجية المحلية.
وأوصى المنان بضرورة الاعتماد على الطاقة المحلية وتقليل الواردات المكلفة، مشيراً إلى أن القطاعات الصناعية التي تعتمد على المواد الخام المستوردة تعاني أكثر، لذلك نحتاج إلى دعم حكومي لتخفيض الضرائب أو تقديم قروض ميسرة لتخفيف أثر ارتفاع الدولار على الإنتاج المحلي.
المطلوب سياسات نقدية متوازنة
من حيث الخبرة الأكاديمية والاقتصادية، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عمار يوسف أن ارتفاع الدولار في سوريا ليس مجرد نتيجة العرض والطلب في السوق، بل هو انعكاس لعوامل متعددة منها نقص الاحتياطات النقدية، والانكماش الاقتصادي، وضغوط الأسواق العالمية على التجار وغيرها.
وللخلاص من هذا الواقع والتذبذب في أسعار الصرف، لا بد من اتخاذ خطوات قصيرة المدى كتعزيز الرقابة على السوق السوداء، وتقديم دعم مؤقت للسلع الأساسية، وضبط فروقات الأسعار بين المناطق، أما الخطوات طويلة الأجل فتشمل تقوية الإنتاج المحلي، وتشجيع الاستثمار في القطاعات الصناعية والزراعية، وتنمية الصادرات لتوفير دخل بالدولار يعزز الاحتياطات النقدية.
كما أضاف يوسف: من المهم أن تكون السياسات النقدية متوازنة بحيث تمنع تآكل الليرة السورية، وفي الوقت نفسه لا تثقل كاهل المواطنين بقرارات فجائية قد تزيد الأعباء المعيشية، مع الإشارة إلى ضرورة التنسيق بين القطاعين العام والخاص باعتباره العامل الحاسم لتجاوز هذه المرحلة، فالاعتماد فقط على الإجراءات الحكومية لن يكون كافياً دون إشراك الفعاليات الاقتصادية والمستثمرين المحليين، وبالتالي تجاهل أي طرف يؤدي إلى خلل كبير في العملية الاقتصادية ومعالجة مشاكلها وصعوباتها اليومية.