الحرية ـ سراب علي :
تبقى الندوب النفسية والجسدية عميقة الأثر بعد الأزمات والحروب، وتمتد لتشمل حياة الأفراد والمجتمعات بأساليب قد لا تكون واضحة للجميع، وتأتي أهمية تعزيز ثقافة الصحة النفسية والاجتماعية كركيزة أساسية لعملية التعافي والبناء.
ففي محاضرة نوعية في المركز الثقافي في اللاذقية قدمتها الدكتورة لمى منلا، دكتوراه في السكان والتنمية ومدير التنمية الإدارية في مديرية التربية والتعليم باللاذقية، تم تسليط الضوء على سبل تجاوز مراحل ما بعد الأزمات، وكيف يمكن تحويل الألم إلى طاقة بناء والانتقال من ثقافة “الأنا” إلى ثقافة “نحن” لتحقيق الرفاهية الجماعية.
إذ أكدت د.منلا أن إعادة بناء المجتمعات بعد الأزمات تبدأ من الداخل، عبر الاهتمام بالصحة النفسية والجسدية كحق أساسي وليس رفاهية، وأن التعافي الحقيقي يتحقق عندما نتعلم كيف نكون معاً لا أن ننجو وحدنا.
وأوضحت في تصريحها لـ”الحرية” أن المحاضرة جاءت لتقديم رؤية متكاملة حول الحالة النفسية والاجتماعية التي يعاني منها الناس عقب انقضاء الأحداث الصعبة، مشيرة إلى أن مرحلة ما بعد الأزمة تختلف جذرياً عن مرحلة ما قبلها، حيث يتدخل العامل الاجتماعي كوسيط حاسم في تشكيل مسار التعافي.
وأضافت: إن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في تجاوز الصدمة الأولى، بل في معالجة الندوب النفسية المتراكمة التي قد تؤدي ـ إن لم تُعالج ـ إلى ما يمكن تسميته “الانهيار الصامت”. وشددت على أهمية تمكين الناس من إعادة بناء ذواتهم، وصولاً إلى تعافٍ مرن متعدد الأبعاد،لا يقتصر على النجاة الفردية، بل يتطلب تحولاً ثقافياً من الفردية إلى الجماعية، كشرط أساسي للانطلاق نحو مراحل البناء والإنجاز.
تميزت المحاضرة بطابع تفاعلي، حيث طرح الحضور مجموعة من الأسئلة المحورية، عن فكرة ارتباط الثقافة بالنمط الحضاري الإنساني، و كيف يمكن تحقيق العدالة لمن تأذى نفسياً وجسدياً، وما زال غارقاً في البحث عن ندوبه النفسية؟ وهل يمكن أن يكون التعافي واحداً للجميع؟ وأكدت النقاشات أن الحوار المفتوح والاعتراف بالألم الجماعي، أولى خطوات الشفاء الحقيقي.