حكمة تراثية تقرأ تقلبات الحياة والطبيعة

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية ـ باسمة اسماعيل:

مع التقلبات الجوية التي يشهدها شهر أيار منذ بدايته، ما بين دفء مفاجئ وانخفاضات غير متوقعة في درجات الحرارة، استحضر كثيرون المثل الشعبي القديم: «جهلة الختيار ولا شوبة الغيار». فمن أين جاءت هذه الحكمة الشعبية؟ وما الدلالات التي حملتها عبر الزمن حتى بقيت حاضرة في الذاكرة الجمعية حتى اليوم؟

تجربة تعاش لا كلمات تقال

وفي حديثه لـ«الحرية»، يرى الباحث في التراث ومدير دائرة أوغاريت الدكتور غسان القيم، أن هذا المثل لم يولد من فراغ، بل خرج من صميم الحياة اليومية للفلاحين والبسطاء الذين ارتبطوا بالأرض والمواسم ارتباطاً وثيقاً، حتى أصبحت الطبيعة بالنسبة إليهم كتاباً مفتوحاً يقرأون تغيراته بعين الخبرة والتجربة.

ويؤكد القيم أن المثل الشعبي يحمل دفء الذاكرة الشعبية، ويختزن حكمة أجيال تعلمت من مراقبة السماء والرياح والفصول، لذلك بقي حاضراً حتى اليوم رغم تغير الأزمنة.

الدفء المفاجئ والحذر القديم

وأضاف: يعرف شهر أيار في الموروث الشعبي بأنه شهر التحول نحو الدفء واستقرار الطقس، حيث تتفتح الأرض وتتهيأ المواسم للحصاد، فيظن كثيرون أن البرد أصبح جزءاً من الماضي. غير أن كبار السن «الختيارية» ظلوا أكثر حذراً في التعامل مع هذا التحول المناخي، إدراكاً منهم أن أيار قد يحمل مفاجآت غير متوقعة، ومن هنا جاءت عبارة «شوبة الغيار»، في إشارة إلى موجة برد خفيفة ومباغتة قد تعود فجأة، فتقلب دفء الأيام إلى برودة عابرة تذكر الناس بأن الشتاء لم يغادر تماماً.

الفلاح وذاكرة الأرض

ويلفت القيم إلى أن هذا المثل ارتبط بسلوك الفلاح التقليدي، الذي لم يكن يتعامل مع المواسم بعفوية، بل بخبرة تراكمت عبر السنين. فالفلاح، كما يروي التراث الشعبي، كان يحتفظ بعباءته قريباً منه، ولا يتسرع في الاطمئنان الكامل إلى استقرار الطقس، لأن الأرض علمته أن الطبيعة لا تمنح يقيناً دائماً.

وفي المقابل، كان الشباب غالباً ينظرون إلى هذا الحذر بشيء من المبالغة، إلى أن تأتي نسمة باردة مفاجئة تؤكد صدق ما حفظته الأمثال الشعبية عبر الزمن.

دلالات تتجاوز الطقس إلى الحياة

ويشير إلى أن معنى المثل لا يقتصر على توصيف الحالة الجوية فقط، بل يتجاوز ذلك ليحمل أبعاداً إنسانية أعمق، إذ يعكس فكرة أن الاستقرار قد يكون مؤقتاً، وأن الحياة مهما بدت هادئة، قد تحمل تغيرات مفاجئة تعيد الإنسان إلى التوازن بعد لحظات من الاطمئنان المفرط.

ولهذا بقي المثل حياً في الذاكرة الشعبية ومتداولاً حتى اليوم، لأنه يعبر عن فلسفة شعبية تؤمن بأن الحكمة الحقيقية تكمن في الصبر، وعدم التسليم الكامل للمظاهر الأولى، سواء في الطقس أو في الحياة.

الوعي الجمعي

ويبقى الموروث الشعبي واحداً من أهم أشكال الوعي الجمعي، الذي حفظ تجارب الناس بلغة بسيطة وعميقة في آن معاً، فيما يواصل شهر أيار حضوره كشهر للجمال والمفاجآت معاً، يذكر الإنسان دائماً بأن الطبيعة والحياة تحتفظان بأسرارهما حتى اللحظة الأخيرة.

Leave a Comment
آخر الأخبار