الحرية – عمار الصبح:
يعكس مشهد الانتشار المتسارع الذي باتت تشهده خدمات توصيل المشتريات إلى المنازل، أو ما يُطلق عليه “الدليفري”، تغيراً ملموساً في أنماط الاستهلاك، وتبدلات في الحياة اليومية لا تقتصر تأثيراتها على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشمل جوانب اجتماعية ونفسية.
وكما هي العادة مع كل وافد جديد، تتباين الآراء حول هذه الظاهرة، بين من يعتبرها ضرورة حياتية تحاكي رتم الحياة المتسارع، وبين من ينظر إليها بعين الريبة، معتبراً إياها تقليداً أعمى وضرباً من الرفاهية، وتعزيزاً لنمط الاستهلاك المتزايد، فيما يطرح هؤلاء تساؤلاً: هل ما نشتريه اليوم هو ما نحتاجه فعلاً، أم ما تريد المطاعم وشركات التسويق أن نعتقد بأننا نحتاجه؟

المطاعم في قائمة الخدمات
في استطلاع جزئي للرأي أجرته «الحرية» على شريحة من مستخدمي خدمات “الدليفري”، أظهر استحواذ المطاعم على النصيب الأوفر من خدمات التوصيل، إذ لا تزال الوجبات الجاهزة تشكل النسبة الأكبر من الحاجيات المطلوب توصيلها إلى المنازل، وهي خدمة باتت العديد من المطاعم تتيحها ليس في المدن الكبرى فقط، بل امتدت إلى الأرياف أيضاً، فيما جاءت الغذائيات في المرتبة الثانية، وحلت الملابس والأحذية والإكسسوارات والأدوات المنزلية والأجهزة الكهربائية تالياً في ترتيب الطلب.
وأكد غالبية من استُطلعت آراؤهم أن اللجوء إلى خدمات التوصيل بات بالنسبة لهم أمراً واقعاً وضرورة لا مفر منها، خصوصاً فيما يتعلق بالأطعمة والوجبات السريعة التي تبدو لهم خياراً مناسباً وبديلاً عن الوجبات المنزلية.
وبحسب الاستطلاع، تصدرت فئة الشباب قائمة مستخدمي خدمات “الدليفري”، وهو نابع، حسب قولهم، من ميلهم نحو خوض تجارب جديدة في التسوق، سواء تعلق الأمر بالطعام الجاهز أو المنتجات الأخرى كالألبسة والأحذية والأجهزة الإلكترونية التي باتت تتيحها تطبيقات التسوق الإلكتروني.
الاعتبارات المادية
أشار عدد من المستطلعة آراؤهم إلى أن اللجوء إلى خدمات التوصيل يظل رهناً بالحالة المادية والقدرة الشرائية، وأيضاً بالمناسبات الدينية والاجتماعية، إذ ترتفع وتيرة الطلب على هذه الخدمات في تلك المناسبات، وتكاد تنعدم خارجها، فضلاً عن مدى تنوع الخيارات التي تتيحها المطاعم وشركات التوصيل، والعروض التي تقدمها، ومدى تناسبها مع القدرة الشرائية.
ويظل لغير مستخدمي خدمات التوصيل رأيهم أيضاً، إذ أعرب عدد ممن التقتهم «الحرية» عن اعتقادهم بأن هذه الخدمات باتت تتجه بحياتنا اليومية نحو الاستهلاك الزائد عن الحد والمزيد من الكسل، مشيرين إلى أن خدمات التوصيل قد تكون مبررة في الحالات الصحية والطارئة، أو في ظروف يفرضها ضيق الوقت، وما دون ذلك يبدو الأمر بالنسبة لهم نوعاً من الاعتياد والرفاهية.
وأضاف هؤلاء إن الخدمة المقدمة والتوصيل إلى المنزل لا تقدم بالمجان، بل يدفع ثمنها المستهلك بطريقة أو بأخرى، من خلال الرسوم الكبيرة لشركات التوصيل وعمولات التطبيقات.
ضرورة عصرية ولكن!!
في عالم اليوم، باتت البيانات والاتصالات، وحتى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، تحكم سيطرتها شيئاً فشيئاً على حياتنا، وأصبحت تتدخل بخياراتنا، في وقت تغيرت فيه قواعد التسوق التقليدي الذي لم يعد مجرد نشاط اقتصادي، بل تجربة نفسية واجتماعية.
يرى خبير التسوق، مجد العمار، أن خدمات التوصيل غيّرت، ولا شك، من أسلوب الكثيرين في التسوق والحصول على الطعام أو الحاجيات الأخرى، لتصبح هذه الخدمات جزءاً أساسياً من حياة البعض، وعنصراً حيوياً في توفير الوقت وتوسيع خيارات المستهلك، مبيناً أنه، ومن هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى خدمات “الدليفري” على أنها مجرد رفاهية أو تقليد، بل كضرورة عصرية لتسيير وتسهيل نمط الحياة اليومي.
وتتيح خدمات التوصيل ظروفاً أكبر لإدارة الوقت والتفرغ للأمور الأساسية، وهذا ينطبق، كما يقول خبير التسويق، على شريحة كبرى من الشرائح الأكثر احتياجاً لهذه الخدمات، كالطلاب والموظفين وأصحاب الأعمال وذوي الاحتياجات الطارئة، ما يجعل تخطيط اليوم بالنسبة لهذه الفئات أكثر سلاسة.
ويؤكد أن قطاع خدمات التوصيل بات يعد من القطاعات المشغلة لفرص العمل، إضافة إلى دوره في تحريك عجلة المشاريع التجارية، وزيادة المنافسة بين مقدمي الخدمة، وخصوصاً المطاعم والمتاجر، لتقديم عروض مغرية لصالح المستهلك، حيث أصبح التوصيل ركيزة أساسية لزيادة المبيعات والوصول إلى قاعدة أوسع من العملاء دون التقيد بالمساحة الجغرافية للمطعم أو المتجر.
حذار من الاعتياد
لكن بالمقابل، يحذر الخبير من مغبة ما أسماه “الاعتياد” على هذه الخدمات، واستمرار الطلب عليها كخيار مستمر، حتى دون وجود الضرورة الملحة والحاجة الفعلية، وهنا يصبح الأمر مجرد تقليد استهلاكي مرهق مادياً، حيث تعزز خدمات التوصيل إمكانية زيادة فاتورة الاستهلاك، والإقبال على شراء حاجيات لا ضرورة لها، وإنما من باب الموضة وتقليد الآخرين.
ويشير العمار إلى أن قطاع خدمات التوصيل لدينا لا يزال غير منظم وغير مراقب تماماً، ما قد يرفع من مخاطر التعرض للاحتيال عبر تطبيقات التسوق الإلكتروني، أو المخاطر الصحية المحتملة فيما يتعلق بالوجبات الجاهزة التي يتم الطلب عليها من المطاعم، التي قد لا تلتزم تماماً بالشروط الصحية لحفظ الطعام إلى حين وصوله إلى صاحبه.
مقارنة مع الآخرين
تتجه خدمات “الدليفري” نحو النمو المتسارع، لكن، وبالرغم من التوقعات المتفائلة بمستقبل هذا القطاع، لا تزال أرقام نموه في سوريا متواضعة مقارنة مع التطور السريع والمنظم الذي شهده القطاع في دول أخرى.
يشير خبير التسوق إلى ما يشهده قطاع توصيل الطلبات من نمو في العديد من الدول، ففي دول مجلس التعاون الخليجي مثلاً، سجل القطاع نمواً متسارعاً ومستداماً، مدفوعاً بالتحول الرقمي الكبير، والبنية التحتية التكنولوجية المتقدمة، والقدرة الشرائية العالية، حيث تُقدر قيمة سوق توصيل الطعام وخدمات التوصيل في دول الخليج بنحو 19 إلى 20 مليار دولار أمريكي لعام 2025 / 2026.
ويلفت، على سبيل المثال لا الحصر، إلى أن السعودية سجلت قفزة في نمو القطاع، وبحسب الإحصائيات، ارتفع عدد الطلبات المقدمة عبر شركات خدمات التوصيل إلى 118 مليون طلب خلال الربع الأول من العام الحالي، في دلالة واضحة على اتساع قاعدة المستخدمين وتطور البنية التحتية للخدمات اللوجستية والتقنية.