“الأبواب المفتوحة” لاقتصاد يواجه خطر التحول لسوق استهلاكي بلا قاعدة إنتاجية

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – إلهام عثمان:
في سوريا، تقف البضائع المستوردة لتزين واجهات المحال، بأسعار تبدو مغرية، بينما تختفي تدريجياً منتجات محلية كانت بالأمس القريب عنواناً للجودة والثقة، المشهد الذي يراه السوري يومياً في محلات البقالة، والأسواق الشعبية، والمعامل الصغيرة، ليس مجرد منافسة تجارية عابرة، بل هو، صورة حيّة لاقتصاد يواجه خطر التحول إلى سوق استهلاكي بلا قاعدة إنتاجية.

تفكيك ذاتي للصناعة

يؤكد الخبير الاقتصادي والمستشار في تنمية المشاريع الصغيرة بسام الحلبي، في تصريح لـ”الحرية”، أن سياسة الأبواب المفتوحة في ظل بنية اقتصادية هشة، لا تعني انفتاحاً حقيقياً، بل قد تحمل في طياتها خطراً جسيماً وصفه بالتفكيك الذاتي للصناعة.
ووفق رؤيا الحلبي، فإن إغراق الأسواق ببضائع أرخص، سواء كانت مدعومة خارجياً أو مهربة، يواجه المنتج المحلي الذي يتحمل أعباءً مضاعفة: تكاليف كهرباء مرتفعة، تمويلاً شبه معدوم، وضرائب متعددة وكبيرة، ويوضح أن النتيجة هنا قد تكون خروج تدريجي للمنتج السوري من السوق.

الحلبي: المنتج المحلي يكاد يخرج تدريجياً من السوق بين كهرباء مرتفعة وبضائع مدعومة

سوق استهلاكي بلا قاعدة

كما أشار الحلبي إلى أن استمرار هذا النهج دون مراجعة يعني أن الاقتصاد السوري سيتحول إلى سوق استهلاكي بلا قاعدة إنتاجية، محذراً بعبارة وجيزة لكنها ثقيلة المعنى: أنه عندما تموت الصناعة… يموت مصدر الدخل الحقيقي.

اقتصاد قسري

وإذا استمر الاقتصاد السوري على المسار الحالي، يحذر الحلبي من أننا قد لا نتحدث عن أزمة ممتدة، بل عن إعادة تشكّل اقتصادي قسري باتجاه نموذج منخفض القيمة، مشيراً إلى أن الصورة حتى الآن واضحة: إنتاج ضعيف، اعتماد مفرط على الاستيراد، سياسة نقدية ضبابية، ازدواج نقدي فعلي، غياب موارد ريعية كافية، وانقطاع شبه كامل عن التمويل الخارجي.

الحلبي: المطلوب تفعيل الحماية الذكية و الحوافز الحقيقية

من الإنتاج إلى الاستهلاك القسري

فمن خلال قراءة معمقة لواقع القطاعين الصناعي والزراعي، يرى الحلبي أن استمرار ضعف القاعدة الإنتاجية يعني عملياً تآكل ما تبقى من هذين القطاعين الحيويين، منوهاً بأنه في غياب الحماية الذكية أو الحوافز الحقيقية، سيخرج المزيد من المنتجين من السوق.
هنا، يضيف الخبير، أن الاقتصاد السوري، إذا استمر على هذا المنوال، سيتحول أكثر إلى مجرد منصة لتوزيع سلع مستوردة ممولة بالتحويلات، بدلاً من أن يكون اقتصاداً يولّد قيمة مضافة حقيقية للبلد وفق تقييمه، وأن هذا التحول يضع سقفاً منخفضاً جداً للنمو، ويجعل أي تحسن مؤقت هشاً وقابلاً للانكشاف السريع بأي صدمة خارجية.

استنزاف بطيء للقوة الشرائية

لينتقل الحلبي إلى الملف النقدي الأكثر إيلاماً للمواطن، موضحاً أنه في ظل غياب سياسة نقدية واضحة المعالم، واستمرار الفجوة بين العرض والطلب على القطع الأجنبي، فإن الضغط على الليرة السورية سيبقى قائماً.
ويحذر بشدة من أن ازدواجية العملة – أي التعامل الرسمي وغير الرسمي بليرتين بسعرين مختلفين – تعني تشوهاً في آلية التسعير وفقدان الإشارة السعرية الحقيقية، ويتوقع، حتى نهاية عام 2026، تآكلاً إضافياً في القوة الشرائية، كما يتوقع توسع الدولرة غير الرسمية كآلية تحوط للأفراد والتجار.

المالية العامة: تمويل غير مباشر

في زاوية المالية العامة، يشير الحلبي إلى أن محدودية الإيرادات الحقيقية وضعف النشاط الاقتصادي سيُبقيان العجز قائماً، ولو بشكل غير معلن بالكامل.
ويلفت الحلبي إلى أن أدوات التمويل ستكون غير مباشرة بطبيعتها، عبر ضغط ضريبي انتقائي، أو رسوم، أو توسيع الكتلة النقدية، وهذا، وفق تحليله يعمق حلقة التضخم ويضعف الثقة بالعملة المحلية.

القطاع الخارجي: اختلال مزمن

ينتقل الحلبي إلى العلاقة مع العالم الخارجي، موضحاً أن استيراداً مرتفعاً مقابل صادرات محدودة القيمة يعني عجزاً تجارياً بنيوياً لا حل له بسرعة، وفي غياب تدفقات استثمارية أو مساعدات معتبرة، سيُموّل هذا العجز عبر التحويلات والاقتصاد غير الرسمي.
وهنا يؤكد أن أي صدمة خارجية، كارتفاع أسعار السلع الأساسية أو تقلبات أسعار النفط، ستنعكس مباشرة على الأسعار الداخلية، دون أن يمتلك الاقتصاد السوري أدوات امتصاص كافية لهذه الصدمات.
أما على صعيد المواطن الباحث عن لقمة العيش، فيصف الحلبي المشهد بدقة مع تراجع الإنتاج، بأنه لن يكون هناك خلق وظائف حقيقي، وسيستمر توسع العمل غير المنظم والوظائف الهامشية، مع انفصال واضح بين الأجور وتكاليف المعيشة ما لم تعالج الأسباب، وأن هذا الواقع يعمق الفقر ويعيد تشكيل الطبقة الوسطى باتجاه الانكماش، أي إن شريحة واسعة من المجتمع كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد ستجد نفسها وقد هوت إلى مستويات دخل متدنية.

المخاطر النظامية وفقدان الاتجاه

وأخطر ما في المشهد برمته، وفق الحلبي، ليس الأرقام أو المؤشرات بقدر ما هو غياب هوية واضحة لإدارة الاقتصاد، ويتساءل: هل نحن أمام نموذج سوق مفتوح بلا أدوات حماية؟ أم اقتصاد موجّه بلا قدرة تنفيذية على الأرض؟ مبيناً أن هذا التذبذب في الرؤية يرفع حالة عدم اليقين لأن المستثمر يحتاج إلى قواعد ثابتة، ليس إلى سياسات متغيرة.

اقتصاد الظل والدولرة

ويحذر الحلبي من أن الاقتصاد يعمل عند مستوى نشاط وتوازن منخفض، وأن التضخم يضغط فعلياً على الاستهلاك الحقيقي، لافتاً إلى أن أي تراجع إضافي في الإنتاج المحلي، خصوصاً الصناعي، سيؤدي لتوسع اقتصاد الظل والدولرة، بالإضافة للاعتماد الأكبر على التحويلات كمصدر بقاء، لا كرافعة نمو، ستزيد من تقلص القدرة الشرائية واتساع فجوة الدخل مقابل تكاليف المعيشة.

إعادة تعريف

ويختم الحلبي: من دون إعادة تعريف واضحة لنموذج الاقتصاد السوري، بما يشمل سياسة نقدية متماسكة، وإدارة سعر صرف قابلة للتنبؤ، وحزمة حماية وتحفيز للإنتاج، وضبطاً انتقائياً للاستيراد، فإن عام 2026 لن يحمل “واقعاً هشاً” يقرع طبول الأخبار، بل ما هو أخطر من ذلك، وهو تثبيت واقع جديد لاقتصاد ضعيف ، يعيش لكنه لا ينمو، ويستهلك لكنه لا ينتج.
وهنا نترك سؤالاً معلقاً وشائكا بين سطور المستقبل، هل ننتظر حتى نصبح سوقاً بلا مصنِّعين، أم نصنع اليوم قراراً مختلفاً يرفع ظن اقتصادنا؟

Leave a Comment
آخر الأخبار