الحرية ـ صالح صلاح العمر:
تعكس زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى مصر توجهاً واضحاً نحو إعادة تموضع سوريا في محيطها العربي، في سياق متغيرات إقليمية تستدعي بناء علاقات متوازنة مع الدول العربية المحورية، إذ تأتي هذه الزيارة في توقيت مهم، حيث تمثل مصر دولة مركزية في الإقليم وشريكاً أساسياً في تنشيط العمل العربي المشترك، بفضل ثقلها السياسي والدبلوماسي والتاريخي، ولا يقتصر البعد السياسي للزيارة على الإطار الثنائي، بل يتجاوزه نحو مقاربة عربية جماعية لمعالجة قضايا المنطقة وتحدياتها المتشابكة.
من المتوقع أن تسهم هذه الخطوة في فتح قنوات جديدة للتواصل السياسي والدبلوماسي بين دمشق والقاهرة، بما يعزز فرص التنسيق في ملفات متعددة، تشمل التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار وتوحيد المواقف إزاء القضايا الإقليمية.

كسر الجمود وإعادة فتح قنوات الاتصال
حول هذا الموضوع، التقت صحيفة «الحرية» بالكاتب والمحلل السياسي مُريد سعدو، الذي قال إن هذه الزيارة تحمل أكثر من بُعد، وهي ليست مجرد لقاء بروتوكولي، بل جزء من تحول أوسع في السياسة السورية والإقليمية بعد التغيرات التي شهدتها دمشق منذ نهاية عام 2024.
وأضاف: الزيارة تُوصف بأنها خطوة لـ«إذابة الجليد» بين القاهرة ودمشق بعد أشهر من الفتور، وخصوصاً أنها أول زيارة رسمية بهذا المستوى في المرحلة الجديدة، وهي مؤشر على رغبة متبادلة في إعادة بناء العلاقات السياسية تدريجياً.
تمهيد لشراكة اقتصادية
وأشار سعدو إلى أن جزءاً مهماً من الزيارة ركز على الاقتصاد والاستثمار، من خلال لقاءات مع رجال أعمال وبحث فرص التعاون الصناعي والتجاري، كما تناولت اللقاءات قضايا المنطقة، مثل الوضع في سوريا، والتوترات مع العدو الإسرائيلي، وإعادة الإعمار.
تنسيق المواقف وإعادة التموضع الإقليمي
كما بيّن سعدو أن تنسيق الموقف السوري- المصري يُظهر أن الزيارة ليست ثنائية فقط، بل جزء من إعادة تموضع سوريا في النظام العربي، واستراتيجية أوسع للخروج من العزلة، فهي تأتي ضمن سلسلة تحركات دبلوماسية «مع أوروبا، الولايات المتحدة، ودول عربية» تهدف إلى إعادة دمج سوريا دولياً وإعادة بناء الثقة. وبالتالي، مصر ليست هدفاً بذاته فقط، بل بوابة عربية شرعية ووسيط مقبول دولياً، فهي دولة محورية في العالم العربي وعضو مؤثر في جامعة الدول العربية، وتتمتع بعلاقات متوازنة مع الغرب ودول الخليج.
وحدة الدولة السورية وخطاب التضامن
كما التقت صحيفة «الحرية» أيضاً الدكتور إسماعيل البرهوم «دكتوراه في القانون الدولي»، الذي قال إن زيارة الوفد السوري برئاسة وزير الخارجية إلى مصر لها دور كبير في تنقية الأجواء بين البلدين، وهي خطوة جيدة نحو تحسين العلاقات، مؤكداً أن الموقف المصري أكد على وحدة التراب السوري واستعادة الاستقرار لسوريا. وهذا الخطاب يساعد في إعادة تقديم سوريا كدولة محورية في المنطقة، وليس ساحة صراع فقط، مع القدرة على تحويل التقارب السياسي إلى تعاون اقتصادي فعلي على أرض الواقع.
أفضل بلد استقبل السوريين هي مصر
وأضاف البرهوم قائلاً: «في مصر أم الدنيا، لم يكن السوري غريباً يوماً، بل وجد قلوباً مفتوحة قبل البيوت، ووجهاً إنساناً صادقاً احتضنه في أصعب الظروف، وبين السوري والمصري حكاية محبة تتجاوز الحدود، حيث امتزجت المعاناة بالتضامن، فكان الاستقبال دفئاً لا يُنسى، لم تقدّم مصر للسوريين مجرد خدمات، بل قدّمت شعوراً بالأمان والانتماء، وكأنهم بين أهلهم».
ومنذ بداية الثورة السورية، كانت مصر واحدة من الوجهات التي قصدها آلاف السوريين بحثاً عن الأمان والاستقرار، وما إن وصلوا حتى وجدوا مجتمعاً مرحباً احتضنهم بإنسانية لافتة، حيث لم يُنظر إليهم كلاجئين بقدر ما عوملوا كأشقاء وأصحاب بيت.
تجربة السوريين في مصر.. نموذج للتضامن العربي
قال البرهوم إن تجربة السوريين في مصر تميزت باندماج سريع نسبياً داخل المجتمع، سواء في مجالات العمل أو التعليم أو الحياة اليومية، حيث أتاحت البيئة المصرية فرصاً لبدء مشاريع صغيرة، وانتشرت المطاعم والمحال السورية التي لاقت قبولاً واسعاً لدى المصريين، في مشهد يعكس التفاعل الثقافي الإيجابي بين الشعبين.
على المستوى الإنساني، برزت مواقف كثيرة تعكس التضامن الشعبي، من تقديم المساعدة المباشرة إلى تسهيل الإجراءات الحياتية اليومية، كما ساهمت الروابط الثقافية واللغوية المشتركة في تقليص الفجوة وتعزيز الشعور بالقرب والانسجام، ورغم التحديات الاقتصادية التي تواجهها مصر نفسها، استمر هذا الاحتضان الشعبي، ما ترك أثراً عميقاً في نفوس السوريين، الذين كثيراً ما عبّروا عن امتنانهم لما وجدوه من حسن استقبال وكرم معاملة.
في المحصلة، يمكن القول إن تجربة السوريين في مصر تمثل نموذجاً إنسانياً لافتاً في التضامن العربي، حيث اجتمعت الأخوة مع الفعل العملي، ليُكتب فصل من فصول الدعم المتبادل بين الشعبين.
ضرورة استراتيجية وليس خياراً ظرفياً
وختم البرهوم قائلاً إن التقارب السوري – المصري لم يعد خياراً ظرفياً، بل يبرز كضرورة استراتيجية تمليها متطلبات المرحلة، فاستقرار المشرق العربي يمثل مصلحة مباشرة لمصر، كما أن استعادة سوريا لدورها العربي الفاعل تسهم في تعزيز منظومة الأمن الإقليمي، وفي هذا السياق، قد يشكل هذا التقارب نقطة انطلاق لإعادة صياغة دور عربي أكثر حضوراً وتأثيراً في مواجهة التحديات الراهنة، وبناء مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك تقوم على المصالح المتبادلة والرؤية الاستراتيجية الموحدة.